
سيدي محمد
حدّث الشيخ عبدي ولد الشيخ قال:
حدث الوالد مدّ الله في عمره على عافية فقال:
في صيف 1978 اتجهت صوب محظرة الشيخ بداه بلكصر، كان الوقت ضحى، طرقت باب المنزل ففُتح، وحين دلفت إليه لقيني الشيخ وسألني عن الأهل والعشيرة فانتسبتُ فهشّ وبشّ، ثم أمسك بساعدي يهزني، وأنشد:
سألتُ من كان من القراء :: يقرأُ بالكحلاء والصفراء،
عن حكم بيع غائب في الأشهر :: يدخل بالعقد ضمان المشتري
ثم قال: "نعرف الحكم، يغير ذو الابيات زينين"،
يقول الوالد: كان ذلك اللقاء بداية الصلة بالشيخ الذي درستُ عليه صحبة الأستاذ الدكتور محمد ولد مولاي جزءً من متن الشاطبية، وفي يوم من أيام سنة 1983 صليتُ الظهر مع الشيخ في مسجده وحين هممت بالانصراف ناداني قائلا: "امنين إعود الصبح كد ذ الوقت ارجعْلي" فامتثلت الأمر و عدتُ للشيخ في الوقت الذي طلب، وحين انقضت صلاة الظهر وجلست بجانبه قال: إني أنوي زيارة أهل الشيخ القاضي، ثم شرع في ترتيب السفر، فأُحضرت السيارة، فركب الشيخ وركبت معه
وكانت السيارة عارية عن الأوراق،(ابلا خط)
وكثرت علينا الوقفات التفتيشية من لدن السلطات الأمنية لما كان في تلك الفترة من احتكاك بين الرئيس ول هيداله وبعض الجماعات السياسية.
فكان الشيخ إذا ما أوقفتنا وحدة أمنية وطلبوا الأوراق يخاطبهم، ( انتوم لاه تكردو إمامكم؟؟ ) فيعرفونه، ويحفظون له مقامه ... حتى إذاكان وقت صلاة العصر نزلنا بمخيم أهل حبيب الرحمن ب"أبيظ المَ"، حيث المجد التليد والطارف، مأوى العلم والصلاح، ومنبع الخير والبركات
فنزلنا بخيمة بها امرأة مسنة، واستقبلنا سيد كريم أحسن استقبال وأحر حفاوة، ثم راغ إلى زريبته فانتقى كبشا سمينا فذبحه، وأحسنوا ضيافتنا، وصلينا المغرب والعشاء.
ثم صنعوا لنا شايا، وغلب النوم على الشيخ بداه أثناء الشاي، واضجعت بجنبه غير نعسان ثم أخذني النوم كذلك، فما أيقظني إلا صوت بداه يرتل بصوت عال يصلي، فنظرت في ساعتي فإذا الساعة الثانية عشرة (منوِ) ثم عدت للنوم، واستيقظت مرات بعدها، كلما استيقظت وجدته على حاله من القيام، حتى صلينا الفجر.
بعد الأوبة من صلاة الفجر شربنا الشاي بالخيمة ببكرة، وقدم إلينا شيخ مسن يدعى المصطفى، يبدو من أمره أنه ذو منزلة ومقام كأنما هو عميد الحي كما يبدو من عناية الشيخ بداه به، ثم دار الحديث بينهما على مستوى عال من الطرافة، وارتفاع الكلفة، واطراح معهود الأساليب.
فسأل الرجل بداه عن خبره ووجهته؟
فقال: أقصد صلتكم، و أبتغي زيارة للشيخ المصطفى بن الشيخ القاضي، فرد الرجل: "أصل واجعه" فقال بداه شموجعه؟
فأجاب الرجل : جمعتني بالشيخ المصطفى ليال بشمامه "ء لا كَط انفتحو العينين عل حد أزين منو طبع،
وانت ما كط انفتحو العينين فحد اشين منك طبع.
ثم انتقلنا لزيارة المقبرة وقال الشيخ إنه يزور زيارة ابن عمر، فقد كان إذا قدِمَ من سفرٍ بدأَ بالمسجدِ فصلَّى فيهِ ركعَتينِ ثمَّ أتى القَبرَ ، فقال: السَّلامُ عليكَ يا رسولَ اللهِ ، السَّلامُ عليك يا أبا بكرٍ ، السَّلامُ عليك يا أبَه" وينصرف.
وبعد ذلك ركبنا وانطلقنا من المخيم إلى بير البركة حيث مقام أهل الشيخ القاضي، وصلنا ضحى، ونزلنا بدار التلاميذ، فنزلت من السيارة ولقيت عبد الله ول حبيب وأخبرته فهيئنا الفراش، ورجعت للشيخ بداه ودعوته للنزول، وذهبت إلى الشيخ المصطفى أعلمه فسلمت عليه وأخبرته: "بُداه بدار التلاميذ"
فرد: بداه؟؟ بنبرة فيها مزيج من البشر والمفاجأة، فقلت نعم، فترك الشيخ ماكان فيه من حديث وانصرف إلى الضيف الكريم فتبادلا السلام وطيب التحايا، وأصر الشيخ المصطفى أن يجلس بداه على الفراش المرتفع، ويجلس هو أسفل،
في أثناء السلام خاطب بداه الشيخ: أنا جئت أستشيرك، لم يعد يطيب لي المقام في موريتانيا وأريد الذهاب إلى المدينة
فقال الشيخ المصطفى: أنتم أهلَ الحديث ما تقولون في حديث : " لأن يهدي الله بك رجلا ..." ؟
فأجاب بداه: " صحيح، أرانِ هانِ أرانِ هانِ أرانِ هانِ" ثلاثا
وأرسل الشيخ المصطفى رسولا إلى أخيه الشيخ سيد المختار ( سيدنا) و الشيخ محمد يحي بن المنجى فجاءا وانتظم مجلس علمي رفيع، أخذت فيه موضوعات كان من بينها موضوع صلاة الجمعة
وخلال المجلس أهدى بداه للشيخ المصطفى بردة مغربية و"إلويشا" ونعلا من جنس "لكراك"، ومثل ذلك لسيدنا وعشرة آلاف للمسجد،
واستمر المجلس إلى حين صلاة الظهر
وبعد الصلاة أخبر الشيخ المصطفى جماعة المسجد أن بداه بدار التلاميذ، فخرجت الجماعة في وقت واحد إلى بداه، وكان خروجها ذلك إلى وجهة واحدة منظرا لافتا لانتباه القرية، فلما رأى بداه الجماعة أراد أن يقوم لها، فعزم عليه الشيخ أن يجلس حتى تسلم عليه الجماعة وهو جالس،
ثم أحضرت المائدة، فلما أفرش فراش الطعام قال سيدن إن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما أكل على خوان، فقال له بداه: حك، يغير ما يخسر ش
كان الوالد يُعرِّف بداه بالجماعة وأعيانها، وعلى وجوه الناس حفاوة وسعادة بهذه الزيارة واللقا
ولما قضيت صلاة العصر ، قدم الشيخ المصطفى لبداه هدية من جنس الهدية الآنفة الذكر
وانصرف الشيخ بداه قافلا إلى انواكشوط.
وقد استمرت الصلة بين الإمام بداه والشيخ المصطفى على نحو من القوة والدوام، فما كان الشيخ يقدم إلى انواكشوط إلا و يزوره بداه في مكان إقامته، والشيخ يخصه بالاستقبال الحفي، والاعتناء الخاص المناسب للمكانة الرفعية عنده لأهل العلم والتعظيم المعهود منه لهم.
كامل الود










