
بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه أجمعين
الحمد لله رب العالمين
بعد تقديم جزيل الشكر للقائمين على مهرجان الترارزة الثقافي على ما يقدمون وينوون تقديمه من حديث عن أجلاء علماء هذه المنطقة، واختاروا أن تكون الشخصية التي يتحدثون عنها في هذه النسخة هي الشيخ سيديا الكبير رحمه الله، ولا شك أن هؤلاء السادة المشايخ والعلماء والحديث عن أخبارهم ومآثرهم من تعظيم شعائر الله، ويدخل في العرفان بالجميل لسلفنا الصالح، ويدخل في ذكر الصالحين الذي عنده تنزل الرحمة والبركة والخير.
وتلبية للطلب الذي تلقيته والذي يتعلق بالحديث عن العلاقات التي ربطت أهل انيفرار بأهل الشيخ سيديا، سأتحدث في هذه العجالة عمَّا جمَّ به الخاطر مما يتعلق بهذه العلاقات التاريخية وبعض تجلياتها ومظاهرها، زادها الله قوة ومتانة ودامَت كما قامت أولَ ما قامتْ في الله ولله وبما يرضي الله..
فأقول:
إن شخصية مثل الشيخ سيديا الكبير هي شخصية لا يتوقع في الأحوال الطبيعية أن تقوم بينها وبين أحد ممن يؤمن بالله واليوم الآخر إلا العلاقات الودية الطيبة، فقد كانَ العلامةَ الرباني، والشيخ المربي، والقطب الولي، والإمام القائد، والزعيم المصلح المجاهد في سبيل الله الداعي إليه بحاله ومقاله.. إلى غير ذلك مما ليس من البلاغة محاولة حصره في هذا المقام ، فقد قيلَ إن الإخبار بالضروريات ليس من شأن العقلاء، ولكن كما قال المتنبي: أعدُّ منها ولا أُعَدِّدُها..
وبالجملة فاسم الشيخ سيديا يكادُ يكون أشد دلالة على تلك الفضائل والمناقب من ألفاظها الموضوعة لها في اللغة..
وفي هذا السياق لم يكن من المفاجئ ولا المستغرب أن تلتئم علاقات روحية وعلمية واجتماعية بين هذا الحي من أهل أعمر إديقب - اهل انيفرار- وحضرة الشيخ سيديا الكبير وذريته من بعده، فقد كانَ أهل هذا الحي محبين للعلم والتقوى والسنة والصلاح والإصلاح والدين والمروءة والقيام بمصالح المسلمين ومكارم الأخلاق جملة وعليها تعاقد سلفهم الأولون من تشمشَ يوم تعاقدوا، فلا جرم إن وجد قطب تدور حوله هذه المكارم مجتمعة أن يكونوا من محبيه وناصريه بل وفيهم من تلاميذه ومريديه.
وإضافة إلى ما سبقَ ، فربما يكون مما هيأ الساحة العلمية والروحية والثقافية عندنا لتلقي ظهور الشيخ سيديا بالقبول والتئام علاقات طيبة بينها وبينه، أن الشيخ العلامة الولي المكاشف محمد والد بن خالنا رحمه الله وهو صاحب المكاشفات المشهورة التي وقع منها الكثير، أخبر في ضمن ما أخبر به بظهور الشيخ سيديا الكبير وبشر بما يُظهره الله على يديه من خير ديني ودنيوي للعباد والبلاد، فوافق المَخبَر الخبر، فكانَ ذلك نواةً لجملة من تلك العلاقات.
ولعل من أقدم ما حفظت لنا المصادر من علاقات أهل هذا الحي بحضرة الشيخ سيديا أن الشيخ العلامة اللغوي أحمد زين بن محمذن بن عبيدي بن محمذن بن ألفغ عبد الله رحمه الله أخذَ الطريقة القادرية على الشيخ سيديا وله شعر يخاطبه فيه يقول فيه:
ألكني إلى البدر المنير تحية
كما فاح من نشر الجنوب الفوائح
توافيك بالبُشرى وأطيَب نعمة
فكل من أنواع الرياحين فائح
إلى أن يقول:
وإني لأرجو زورة كي يلوح لي
من أنوار هاتيك الوجوه لوائح
فكم زائر للشيخ تكفيه نظرة
وما هو إلا في الزيارة رائح
مريدُ لكَ البشرى وإن كنتَ نائيا
عن الدار أو كانت عليك الصفائح
فمذ ما تشبثنا بأذيال شيخنا
فالأمرُ - لمولانا المحامدُ - سانحُ
فلذ بحمى شيخي فشيخي جواره
جوار فتى تسعى لديه المصالحُ
ومن قدماء من أخذَ عن الشيخ سيديا من أهل هذا الحي العلامة الشيخ المربي والشاعر المجيد محمد فال بن أحمد بن المنجي رحمه الله ، فقد ذُكِرَ أنه لما أرادَ الأخذ عن الشيخ سيديا كوشف للشيخ عن ذلك فكتب إليه بالورد ولم يُكَلِّفهُ المجيء إليه، وقد صرح محمد فال هذا في أشعاره بأخذه عن الشيخ سيديا رحمهم الله جميعا.
وبعد ذلك بزمن يسير ظهرت علاقة من أبرز وأوثق العلاقات بين هذا الحي وتلك الحضرة، وهي علاقة الشيخ أحمد بن الفاضل بشيخه الشيخ سيديا الكبير..
فقد ذكرت المصادر أن الشيخ أحمد بعد رحلته العلمية التي قادته إلى عدة محاظر، قرر أن يلتحق بالشيخ سيديا الكبير ليأخذ عنه الطريقة الصوفية، وأنه رأى في منامه جد أمه العلامة الشيخ محمد والد بن خالنا المذكور آنفا، فقال له: أنتَ مآلُكَ إلى الشيخ سيديا ولكن الزَم أمك الآن فإذا توفيت فالتحق بالشيخ ، أو كما قال، ففعل ما أمره به، ولما توفيت والدته التحق بحضرة الشيخ سيديا وأخذَ عنه الطريقة القادرية بأورادها خفيفها وكاملها، وأحزابها وأسرارها، وصدره الشيخ سيديا في مدة يسيرة ذكروا أنها لا تتجاوز أربعة أشهر، وقد روي عن الشيخ أحمد أنه كانَ يرى تلك الأشهر الأربعة هي عمرَهُ كله، وقد ضمنَ ذلك شعرا كتب به إلى شيخه، فقد حدثني عمنا الشيخ محمد العاقل بن الشيخ محمدن بن الشيخ أحمد رحمه الله أن الشيخ عبد الله بن الشيخ سيديا رحمه الله حدثه أن الشيخ أحمد كتب إلى شيخه الشيخ سيديا ما نَصه:
من المريد إلى المُراد:
إني رأيته عجبا ما أبدعَه
من ربه من عمره قد أمتعه
خمسين عاما غير حوال أكتعه
وعمرُه معْ ذا شهورٌ أربعَه.
وكان الشيخ سيديا معجبا بالشيخ أحمد حتى أنه لما صدره في مدة يسيرة قيلَ له في ذلك فقال: مثلُه ومثلُ غيره كمثل زقينِ جاءني أحدهما وقد دبغ وجعل فيه الرب فما زدتُ على جعل السمن فيه، والثاني جلد لم يدبغ ولم يدخله شيء من الصناعة فلا بد من دبغه ثم تليينه ثم جعل الرب فيه قبل إفراغ السمن.
ومما يذكر من إعجابه به ما روي أن الشيخ سيديا سأل جماعة من تلاميذه فيهم الشيخ أحمد : ما أصعب ما يعمله المرء، فذكر كل واحد ممن تكلم شيئا من الأعمال الشاقة، فمن قائل: حفر الآبار، ومن قائل: الامتيار من مكان بعيد، ومن ذاكر غير ذلك، فلما قال كلٌّ ما عنده ، قال الشيخ سيديا للشيخ أحمد: وما تقول أنت يا ديماني؟ فأجابه الشيخ أحمد بأن أصعب ما يعمله المرء هو "ارتوب" بالحسانية، ومعناه الاستقامة والثبات بحيث لا يستخفه كل ناعق ولا يغتر بكل بارق، فقال الشيخ سيديا: فاز بها من بينكم الديماني.. وشهد له بالعقل.
ويذكر أن الشيخ سيديا لما صدر الشيخ أحمد فعل له ما يصنع بمن يصدر من تلاميذه من إعطائه جملا وراحلة وعمامة، فقال له الشيخ أحمد: أما أنا فيكفيني أن تدعو الله أن ينزل لي البركة في عمل يدي ، وأنه لم يزل يتعرف بركة ذلك الدعاء في بقية عمره فقد كانَ من أغنى أغنياء هذه الناحية في زمنه.
وكان الشيخ أحمد شديد المحبة والإجلال لشيخه والتعلق به وله مقطوعات شعرية في مدحه والتوسل به منها:
يا خير من زار للحاجات من بعدوا
ومن دنوا فانثنوا عنه بما قصدوا
إني مريدكمُ سعيا أتيتكمُ
في مقصد قلَّ صبري عنه والجلدُ
فالقصد تعلمه والله يعلمه
أعده واحدا لكنه عدد
فالغوث والغوث لا يهلك مريدكم
فإنه ضاق ذرعا بالذي يجدُ
إن لم يفز بكمُ إلا الأُلى سجدوا
وجاهدوا النفس بالأموال واجتهدوا
فأينَ جودُكمُ وأينَ مَجدُكُمُ
هذا لعمري زعم إن يُقَل فنَدُ
فأمنن جزعي وحققن طمعي
فأنتَ لي والدٌ كما أنا وَلَدُ
فأجابه الشيخ سيديا بقوله:
إن المشايخ أسد وردة ربد
تحوط أجريها من شر ما يردُ
فليس يُخشى على من أدخلوا أبدا
في سور هماتهم سيد ولا أسَدُ
فثق بنيل الذي ترجو وتأمله
بفضلِ مَن عبَدوا إذ هم له عُبُدُ
وكان الشيخ أحمد يسافر لزيارة شيخه الشيخ سيديا ويحمل معه الهدايا، وقد ذكر الشيخ هارون بن الشيخ سيديا في موسوعته وغيره، قصصا وكرامات للشيخين وقعت في بعض تلك الرحلات.
ومما يؤثر عن الشيخ أحمد رحمه الله قوله إن كلَّ من يتحمل نفقته أو يحسن إليه من ضعفاء هذه الناحية وفقرائها فإنه يرى ذلك هدية منه لشيخه لعلمه أن الحال تؤول بهم - إن لم يجدوا ذلك - إلى اللجوء لحضرة الشيخ سيديا التي هي مأوى كل مسكين وخائف وكل فقير وكل ذليل.
ومما اشتهر عن الشيخ أحمد أيضا أنه كانَ لا يطرب ولا يأنس لشيء أنسه وطربه للحديث عن الشيخ سيديا.
هذا وقد أخذ الطريقة عن الشيخ أحمد خلقٌ من أهل انيفرار وجماعة من غيرهم، نذكر منهم الكبار من أبنائه وكما أخذ عنه وعنهم معظم من يشار إليه من أهل الحي من علماء وغيرهم.
وممن أخذَ طريقة الشيخ سيديا بالواسطة الشيخ أحمذو بن زياد العلامة المفتي القاضي المفسر ، أخذ الطريقة القادرية عن الشيخ أحمدو بن اسليمان عن الشيخ سيديا، وعنه أخذها أبناؤه.
وهكذا غدَت الأوراد القادرية المأخوذة عن الشيخ سيديا وأدعيته وتوسلاته واستسقاءاته وتوسلات ابنه الشيخ سيدي محمد وأشعاره، وما قيلَ من نظم وشعر في التوسل به هو وبمشايخه رجال الطريقة، وما أثر عنه وما أودع كتبه من الأذكار والأسرار كل ذلك حاضر بقوة في الساحة العلمية والثقافية النيفرارية.
كما أن كتب الشيخ سيديا وفتاواه وأجوبته في مختلف الفنون من فقه ونحو وتصوف وأسرار موجودة في المكتبة انيفرارية، فقد نسخ الشيخ العلامة أحمذو بن زياد رحمه الله مؤلفات الشيخ سيديا وأجوبته وفتاواه، وقد جدد نسخها بعد ذلك حفيده وحفيد الشيخ أحمد بن الفاللي ، أخونا الشيخ يعقوب بن عبد اللطيف رحمه الله.
بل إن رسائل الشيخ سيديا وحفيده الشيخ سيديا بابَ ذات البعد السياسي كانت موجودة عندنا في الكتب حتى أني وقفتُ على رسالة الشيخ سيديا بابَ إلى الأمير أحمد سالم بن اعلِ الملقب بيادَه في شأن البيصة المعروفة، بخط العلامة أحمذو بن زياد.. وهذا يدل على اهتمام القوم بكل ما صدرَ عن تلكَ الحضرة سواء تعلق بأمر الدين أو بأمر الدنيا.
وقد ترك هؤلاء القوم محبة أهل الشيخ سيديا وتبجيلهم كلمة باقية في عقبهم، فقد تحدث الشيخ هارون بن الشيخ سيديا رحمه الله في موسوعته عن جماعة ممن عرفَ هو شخصيا من أهل هذا الحي الذي زاره ومكث فيه أثناء إعداده لموسوعته، وقد أثنى على من اجتمع بهم وذكر منهم الشيخ سيد محمد بن عبد الرحيم والشيخ عبد الله بن الشيخ أحمد بن الفاللي الذي عمل مدة في أبي تليميت ودفن في البعلاتية..
وقد حدثني الشيخ سليمان بن الشيخ سيديا رحمه الله قال: طلب مني الشيخ عبد الله بن الشيخ أحمد رحمه الله أن يرافقني في زيارة كنت أنوي القيام بها لجدنا الشيخ سيديا الكبير عند تندوجه، وذلك بُعيدَ قدومه من الحج ورافقني فاعترته أحوال من الرقة والبكاء، فلما قفلنا قال لي: يا سليمان إنه كانَ في حياتي مرادان أحدهما حج بيت الله الحرام وزيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا أحدهما والثاني زيارة الشيخ سيديا، وهذا المرادان الآن قد تحققا ولا أبالي لعل أجلي قد حضر، فلما كانَ بعد ذلك بقليل توفي رحمه الله.
ومما يذكر من العلاقة بين أهل انيفرار وأهل الشيخ سيديا ما روي أن الشيخ سيدي محمد بن الشيخ سيديا حضر مرة العلامة محمد فال بن أحمذو بن زياد وهو يتكلم في نازلة فقهية وكانَ يومئذ شابا حديثَ السن فأعجب به وقال فيه:
قد صحبنا الزمان وهو يرينا
عجبا كل بكرة وعشي
لم أخل قبل رؤيتي ابن زياد
أن شيخا يحل جلدَ صبي
بيدَ أن الصغير ذا اللب خير
في النوادي من الكبير الغبي
هذا وقد عرف عن الشيخ سيديا بابَ إعجابه بأهل هذه الناحية بصفة عامة، فقد قيلَ إنه سأل مرة جماعة مجلسه من أعلم الناس؟ فذكروا ما بدا لهم، فقال: ليس كما قلتم وإنما أعلم الناس رجال بني ديمان الذين ليسوا بعلماء! ، يقصد الرجل العادي الذي لا يشار إليه بعلمٍ ولا يعرف به.
وقد كانَ هذا الإعجاب بطبيعة الحال متبادلا، فقد ذكر بعض أهل هذه الناحية على وجه التندر والتظرف أن أهل ايگيدي لا يخالفون الشيخ سيديا بابَ في شيء إلا ثلاث مسائل، الأولى اجتهاده رحمه الله في تحقيق نطق حرف الضاد على وجه يرونه هم قريبا من حرف الظاء، والثانية اختياراته الفقهية التي ربما ذهب فيها إلى الأخذ بما يخالف مشهور مذهب مالك رحمه الله فقد كانَ القوم خليليين والكلُّ إن شاء الله على هُدى، والثالثة هي تجريد اسمه هو واسم أبيه واسم جده الشيخ سيديا الكبير من لفظة الشيخ، كما اشتهر عنه أنه كانَ يوقع باسم "سيديا بن محمد بن سيديا" تواضعا منه واجتهادا في سد بعض الذرائع، قال هذا القائل : أما نحن فلا نعرف الشيخ سيديا إلا الشيخَ سيديا، ولا نعرف الشيخ سيدي محمد إلا الشيخ سيدي محمد ولا نعرف الشيخ سيديا بابَ إلا الشيخ سيديا بابَ..
ولا يخفى ما في هذا من إجلال القوم لأهل الشيخ سيديا واعترافهم بمنزلة الشيخ سيديا بابَ العلمية وأنه قدوة عندهم في كل باب وأنه حتى في المسائل التي خرج فيها عن مألوفهم فهو فيها عالم معتبر لا تهدر حرمته ولا تسقط رتبته، وهذا أمرٌ غني عن القول.
وعلى مستوى الأدب فقد كانت أشعار الشيخ سيديا الكبير وابنه الشيخ سيدي محمد حاضرةً ليس لمجرد كونها شعرَ المشايخ الذي ترجى بركته وينتفع بما كانَ منه مشتملا على علم وحكمة فقط، بل لجودته الأدبية، فلم يكن أحدٌ ممن يدعي الاهتمام بالشعر وتذوقه إلا ويحفظ من شعر الشيخ سيدي محمد بن الشيخ سيديا ، أما الشيخ سيديا فإنه وإن لم يطغَ الشعر على شخصيته إلا أنه كانَ شاعرا مجيدا جدا، وقد ذكرتُ في التقديم الذي كتبته على ديوان الشيخ سيديا الكبير الذي حققه المرحوم عبد الله بن اسماعيل بن ابي مدين رحمه الله، أن بعض شيوخ بني ديمان قال: لولا أن ينسبني الناس إلى الإغراب لقلت أن الشيخ سيديا أشعر من ابنه سيدنا.. وفي هذه القولة البليغة ما لا يخفى من الإشادة بشعر الرجلين.
تلكَ أمثلة يسيرة وجزئيات قليلة ولكنها قد تكفي لبيان هذه العلاقات الوطيدة بين أهل هذا الحي من أهل انيفرار وحضرة أهل الشيخ سيديا، فإنها علاقات قد لا تصل العبارات إلى التعبير عن كنهها والكشف عن لبها، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك كله
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
محمد فال بن عبد اللطيف بن الشيخ أحمد بن الفاللي.









