
أحمد المصطفى بأ
قاض موريتاني
وُلِدَ ونشأ في سُرَّة وهد بتلميت، أتقن فَنّ بَنْجَتِه طبلا وغناء وأداء، وأطرب محبي هذا اللون الفني عقودا، وحفظ تراثا ينقرض، وبموته دُفن جزء كبير من هذا التراث في البعلاتية إلى جانب من قالوه ومن قيل فيهم، ومن أدَّوه، وأصَّلُوا فنون أدائه..
العتيق الراحل يوم أمس من جَنْكَةِ بتلميت إلى بعلاتيته، كريم نفس، مقبلا على شأنه، مسالما، مؤمنا، متقنا لفنه ومهنته..
تَفْقِدُ بَنْجَةُ بتلميت بفقده ركنا من أركانها، وحافظا من حفاظ أدبها وأشوارها، تفنن في المسير فيها من دخولها بِشُورَيْ: السلام عليكم گولُ عليكم السلام، ويَـ الرَّاسلي ذان جيت، إلى خروجها أو ابْتََيْتِهَا بِشُورَيْ: الصبح أصبح وأظَّوْ أزيان ـ يَـ النائمين گوم صَلُّ..
وأدّاها على أصولها في مقاميها الحماسي الواقف الذي تُحميه الدبوس، والهادئ في وضع الجلوس، تمشيا مع سكون الليل..
تختلف بَنْجَةُ بتلميت عن النمط السائد من هذا الفن في منطقة اترارزة،فَطَبْلُهَا على الأسِلَّايْ دائما، وأشوارها الناظمة للكلمات، وكلماتها تكاد تنحصر في لونين: المديح النبوي، و شكر أهل الشيخ، أي مدح آل الشيخ سيدي، ونادرا ما تؤدى فيها الأشوار الزمنية مثل: ألعب يخي، و أهَايِلُّ..
تراث بَنْجَه تراث ينقرض، ويوشك أن يذهب مطلقا، والذاهب منه مع العتيق كبير، فالعتيق تراث مدينة، وليس شخصا فقط..
قد يستغرب البعض تأبين ميت بذكر اشتغاله بالفن، لكن بَنْجَه لون فني سالم من المزامير، وفضلا عن ذلك ساق أهل السير والتراجم في مناقب بعض علماء السلف اشتغالهم بالغناء..
قال الحافظ الإمام الذهبي رحمه الله في ترجمة المَاجِشُون (بتصرف): <<الإمام المحدث، أبو يوسف يعقوب بن دينار..قال مصعب بن عبد الله: كان يُعَلِّمُ الغناء، ويتخذ القيان، ظاهر أمره..
وله في الكتب الستة، وقل ما رَوَى، ولم يُضَعَّف..>>، وقال عنه في سياق ترجمة أبي الزناد: <<..وكان الماجشون أول من عَلَّم الغناء من أهل المروءة بالمدينة..>>.. (ج 6 ـ ص 102، وص 162ـ ط دار الحديث 2006)..
أسأل الله تعالى أن يغفر للعتيق ويرحمه، ويتجاوز عنه، وأن يدخله الجنة، ويباعد بينه وبين النار، وبينه وبين عذاب القبر، وأن يحسن العزاء فيه لأسرته ومحبيه..
إنا لله وإنا إليه راجعون..








