
في ثمانينيات القرن الماضي، وأنا في مقتبل العمر، أتيحت لي فرصة تمثيل بلادي في مهرجان دولي أقيم في بغداد، في أبريل/نيسان 1988.
كانت إقامتي في العراق حافلة بكرم الضيافة وحسن الاستقبال، فقد كان المهرجان تحت رعاية الرئيس الراحل صدام حسين- رحمه الله- شخصيًا، وبإشراف وزير الإعلام آنذاك لطيف نصيف جاسم. وقد شاركت في فعاليات المهرجان، وكانت المشاركة ناجحة، رغم صغر سني في ذلك الوقت.
انتهى المهرجان، وحانت ساعة العودة إلى أرض الوطن. غادرت بغداد، وكان من المقرر أن تكون لي في فرنسا محطة ترانزيت قصيرة، لكنها تحولت، ولسوء الحظ، إلى إقامة اضطرارية لعدة أيام.
كانت فرنسا في تلك الفترة تشهد اضطرابات وأعمال شغب مرتبطة بقضايا الهجرة، وكانت باريس ومطاراتها من أكثر المناطق تأثرًا، فتأجلت رحلات كثيرة، وكانت رحلتي من بينها.
المشكلة أنني لم أكن أملك يومها فرنكًا واحدًا.
توجهت إلى مكتب الخطوط الجوية الفرنسية، وكانت تذكرتي تتيح لي الإقامة بضعة أيام، لكنهم رفضوا استضافتي بحجة طول مدة التوقف. وجدت نفسي أمام واقع لم أستعد له: شاب بعيد عن وطنه، بلا مال، والبرد قاسٍ.
وهكذا قضيت ساعات في مطار شارل ديغول، ينهكني البرد والجوع والحيرة.
وفي خضم ذلك، لفت وجودي انتباه رجل كان يراقبني من بعيد، ورأى أنني أرتجف من شدة البرد. اقترب مني وسألني بالفرنسية:
ـ ما بك؟
حاولت أن أجيبه، لكنه لاحظ أنني ضعيف في التعبير بالفرنسية، فقال:
ـ أنت عربي إذن؟
قلت: نعم.
قال: تونسي؟
قلت: لا، موريتاني.
ابتسم وقال:
ـ أنا أخوك من الجزائر.
ثم سألني عن قصتي، فحكيت له ما جرى بالتفصيل.
قال لي ببساطة:
ـ لماذا لا تتصل بالسفارة الموريتانية؟
قلت له:
ـ لا أملك لا القليل ولا الكثير من المال.
فقال:
ـ بسيطة، تعال معي.
رافقني إلى غرفة الاتصال، وأخذ يبحث في دليل الهاتف حتى عثر على رقم السفارة الموريتانية.
اتصلت
ـ ألو، سفارة موريتانيا؟ أنا مواطن موريتاني تائه في المطار. كنت أمثل بلادي في مهرجان دولي، وكان من المفترض أن يكون توقفي هنا قصيرًا، لكن بسبب الاضطرابات تأجلت رحلتي أربعة أيام، وانا لا أملك أي مال.
رد علي المسقبل: كلامك يفتقد إلى المصداقية، ثم أُغلق الخط.
نظر إليّ الجزائري وقال، بكل ثقة:
ـ خلاص، حُلّت المشكلة!
قلت: للأسف لا
قال:
ـ لو كنت جزائريًا، لتكفلت بك السفارة.
ثم استدرك:
ـ لكن هذا غير ممكن... دعني أحاول مرة أخرى.
اتصل بالسفارة من جديد، وهذه المرة أخرج سماعة صغيرة من جيبه ووضعها في أذنه ليسمع الرد.
وكانت المفاجأة أن المتحدث معي هذه المرة هو مسؤول رفيع في السفارة.
شرحت له قصتي بإسهاب، فإذا به يقول لي:
ـ ألم تقرأ الصفحة الأخيرة من جواز سفرك؟ نحن لا نتحمل هذا النوع من المسؤوليات، ثم إننا لم تصلنا أي رسالة بشأنك.
ثم قطع الاتصال.
نظر إليّ صاحبي الجزائري، وكأنه لم يصدق ما سمع، وقال مستغربًا:
ـ عجيب!
ثم قال:
ـ ما رأيك أن تأتي معي إلى المنزل؟ إنه قريب من هنا.
قلت له:
ـ بكل سرور.
رافقته، فإذا به يقود سيارة أجرة تابعة للمطار، وكان فرنسيًا من أصل جزائري، كما أخبرني.
وفي الطريق، توقف عند مجمع تجاري واشترى الكثير من الفواكه ومواد الضيافة، ثم واصلنا الطريق إلى منزله.
كان البيت صغيرًا في شكله، لكنه كان كبيرًا جدًا بما يحمله من كرم وأخلاق.
كان يعيش مع زوجته فقط، من دون أطفال. وما إن وصلت حتى استقبلتني زوجته، أمينة، بحفاوة لا تقل عن حفاوة زوجها.
تعشينا مما لذ وطاب، وكان الوقت قد تأخر كثيرًا.
وحين حان وقت النوم، اكتشفت أن البيت لا يحتوي إلا على غرفة نوم واحدة وبهو صغير أمامها مخصص للضيوف.
اصطحبني إلى غرفة النوم وقال:
ـ يا محمد، أنت صاحب المنزل، ونحن الضيوف. ستنام هنا، ونحن سننام في البهو.
كان موقفًا لن أنساه ما حييت.
ثم أخبرني أنه سيذهب في الصباح الباكر إلى عمله، وأن ظروف المغتربين في تلك الفترة كانت صعبة بسبب الوضع الأمني، وقال لي:
ـ إذا أردت، يمكنك البقاء هنا مع أمينة زوجتي. وإذا أردت، أذهب بك معي إلى المطار؛ هناك صالة مريحة للصلاة يمكنك الانتظار فيها حتى أنتهي من عملي، ثم أرافقك إلى المنزل. الخيار لك.
قلت له:
ـ الخيار الثاني أفضل.
وفي الفجر أيقظني، ورافقني إلى المطار، وتركني في صالة الصلاة، وأعطاني مبلغًا من المال لأتدبر به أمري.
وظل برنامجه على ذلك الحال طوال الأيام التي بقيت فيها في فرنسا، إلى أن حان موعد مغادرتي إلى أرض الوطن.
وعندما جاء يوم الرحيل، ودعني وداعًا مؤثرًا، وكأنني واحد من أهله، لا شخصًا التقى به مصادفة في مطار.
ومنذ ذلك اليوم، كلما سمعت أحدًا يقول إن الجزائريين يحبون الموريتانيين، أتذكر ذلك الرجل.
لم يكن بالنسبة إليّ مجرد جزائري التقيته في مطار شارل ديغول، بل كان في تلك اللحظة أخًا حقيقيًا، فتح لي بيته، وتقاسم معي طعامه، ومنحني من ماله، وقدم لي ما هو أثمن من كل ذلك: الأمان والكرامة في لحظة كنت فيها في أمسّ الحاجة إليهما.
أما قصة السفارة الموريتانية، فعندما عدت إلى موريتانيا، رويت ما حدث لزملائي في جريدة «الشعب» والتلفزيون، فأعدّوا حول الموضوع حلقات صحفية متتالية، وانتهى الأمر، حسبما أذكر، بالإطاحة بالسفير.
لكن تفاصيل تلك الواقعة الإدارية والسياسية تبقى شيئًا، وما فعله ذلك الرجل الجزائري معي يبقى شيئًا آخر تمامًا.
الأولى كانت موقفًا عابرًا من مؤسسة، أما الثانية فكانت موقف إنسان تجاه إنسان.
جزى الله ذلك الجزائري الكريم خير الجزاء، وأينما كان اليوم، أسأل الله أن يكون بخير هو وزوجته أمينة، وأن يحفظهما ويمتعهما بالصحة والعافية.
وإن كان قد نسي تلك الحادثة، فأنا لم أنسها، ولن أنساها.
فبعض الناس نلتقيهم مصادفة، لكنهم يتركون في حياتنا أثرًا لا تمحوه السنين.
ذلك الجزائري كان واحدًا من أولئك الذين لا يُنسون.









