إعلان

زينب القادري: قصة امرأة صنعت من حلم الكسكس جسرا للمحبة والتضامن في شوارع باريس

ثلاثاء, 07/21/2026 - 05:16

الطيب ولد العروسي

 

 

رمز نبيل للوحدة الإنسانية المشتركة

استطاعت المغربية زينب القادري الملقبة بـ"ملكة الكسكس" أن تحول حلمها البسيط إلى مبادرة إنسانية تحدت حدود الحي والمدينة الباريسية لتبرز أن المبادرات الإنسانية على بساطتها قادرة على بناء جسور التواصل بين الناس. كان حلم زينب تقديم طبق الكسكس للمحتاجين في الشوارع، كرسالة تضامن ومحبة فنجحت في حلمها، ثم طورت مبادرتها ووسعت نطاق عملها ليشمل توزيع الأغطية والملابس الشتوية على المشردين والمحتاجين.

باريس- في قلب العاصمة الفرنسية باريس، حيث الازدحام والحياة السريعة، تنبثق قصة إنسانية تحمل دفئًا وصدقًا يفوقان كل التحديات. هي قصة السيدة زينب القادري، امرأة مهاجرة من المغرب، تمكنت من تحويل حلم بسيط إلى مبادرة تنبض بالحب والعطاء، حتى أصبحت تُعرف في الأحياء الباريسية وعلى منصات التواصل الاجتماعي باسم “ملكة الكسكس”. لم يكن هذا اللقب مجرد ترف أو دلالة على مهارتها في الطهي، بل هو شهادة على القدرة الكبيرة للمبادرات الإنسانية على بناء جسور التواصل والتضامن بين الناس.

ولدت زينب في عائلة مغربية متواضعة، في إحدى القرى التي يتغلغل فيها عبق الطبيعة وأصالة التقاليد. كانت الأسرة بسيطة، لكنها غنية بالحب والقيم التي تراكمت عبر أجيال. نشأت بين يدي والدتها الكفيفة، التي لم يكن لديها سوى قوتها وقلبها الكبير. تعلمت زينب فنون الطبخ منذ نعومة أظافرها، حيث كانت تساعد والدتها في إعداد وجباتها اليومية. كان الطبخ بالنسبة لها وسيلة للتواصل مع أمها، كما كان أيضا مدرسة تعلمت فيها دروس الصبر والإصرار والفن والاهتمام بأدق التفاصيل. خلال سنواتها الأولى، أدركت زينب أن الطبخ ليس مجرد تحضير وجبة، بل لغة تعبير عن المحبة والاحتواء. وكان الكسكس، الطبق المغربي الأصيل، يحتل مكانة خاصة في قلبها، فقد كان رمزًا للعائلة والاحتفال، وذاكرة حية للأيام الجميلة التي قضتها في مطبخ والدتها. هذه الذكريات رافقتها عندما قررت الهجرة إلى بلاد الغربة.

تحديات ومكونات الحلم

 

◄ حلمها كان تقديم طبق الكسكس للمحتاجين في الشوارع، كرسالة تضامن ومحبة في زمن تكاثرت فيه الوحدة والغربة

استقرت زينب في باريس، المدينة التي لا تنام، حيث واجهت تحديات وحواجز لا حصر لها. لا يكفي أن تكون ماهرة في الطهي، فأن تكون مهاجرة يعني أن تتعامل مع ثقافة جديدة، لغة مختلفة، وضغوط مادية كبيرة. عملت زينب في تنظيف المكاتب، وظيفة لا تُطاق أحيانًا من شدة التعب، لكنها كانت مصدر رزقها الوحيد.

لكن قلبها لم ينجرف مع صخب المدينة، بل ظل يحتفظ بحلم لطالما راودها: أن تقدم شيئًا بسيطًا يمكنه أن يصنع فرقًا كبيرًا في حياة الناس. حلمها كان تقديم طبق الكسكس للمحتاجين في الشوارع، كرسالة تضامن ومحبة في زمن تكاثرت فيه الوحدة والغربة.

ولادة فكرة “كسكس المشاركة”

ذات ليلة، رأت زينب حلمًا مؤثرًا: كانت تحضر الكسكس في مطبخ بسيط، وتخرج إلى الشوارع حيث كان الناس يجتمعون حولها بابتسامات حانية، يتقاسمون الطعام والفرح. استيقظت من نومها بقناعة عميقة بأن عليها تحويل هذا الحلم إلى واقع. لم يكن الأمر بسيطًا، لكنها بدأت بتجهيز أول وجبة منها في مطبخ منزلها وحدها. تلك اللحظة كانت بداية لسلسلة من الأحداث التي غيرت مجرى حياتها وحياة كثيرين حولها. بدأت تحضر الكسكس بانتظام عدة مرات في الأسبوع، ثم تأخذ صحنها الكبير إلى الشارع لتوزيعه مجانًا على الجميع، خصوصًا المحتاجين منهم.

إعداد وجبة الكسكس التقليدية مهمة ليست بالسهلة، فكل عنصر فيها يحتاج إلى دقة وعناية. تبدأ زينب يومها بزيارة السوق حيث يعرفها التجار جيدًا، يرحبون بها بلطف ويقدمون لها أفضل الخضراوات واللحوم، أحيانًا بأسعار مخفضة أو حتى كهدايا صغيرة لبث روح الدعم والتشجيع. تشتري كميات كبيرة من الجزر والكوسا والبطاطا الحلوة واللفت والحمص، بالإضافة إلى أجود أنواع السميد الذي تفخر بأنها تعتني به بعناية فائقة. السميد، العنصر الأساسي في طبق الكسكس، يتم غسله وفركه ويُبخر أكثر من مرة حتى يصبح هشًا وخفيفًا، وهذه الطريقة التقليدية التي تحرص عليها تعكس روح الطبق الأصيلة. العملية تستغرق ساعات طويلة في المطبخ، رغم أنها ترهقها بعد يوم عمل متواصل، لكن شغفها وحبها لما تفعله يدفعانها إلى الاستمرار دون ملل. لا تتحرك زينب إلا وقد ملأ قلبها الفرح، لأنها تعلم أن كل طبق ستقدمه يحمل رسالة حب وتضامن لكل من يحصل عليه.

طابع إنساني

بمجرد أن تحمل أواني الكسكس الثقيلة وتصل إلى المكان الذي اختارته، تبدأ اللحظة الساحرة. يقوم الناس بالتجمع حولها، بعضهم يأتون بدافع الفضول، والآخرون يأتون للوصول إلى وجبة دافئة في يوم بارد أو للتخفيف من جوعهم وقسوة الحياة. لا يكون الأمر مجرد توزيع طعام، بل هو لقاء إنساني حميم، لقاء بين أرواح تحتاج إلى أن تشعر بأنها ليست وحدها. تزين هذه اللحظات أحيانًا حركات بسيطة من العزف أو حضور موسيقي يضيف أجواءً احتفالية، يصبغ المكان بالبهجة. وتتبادل الأحاديث والضحكات، ويبدأ الغرباء بالتعرف على بعضهم، فتتولد صداقات جديدة وأمل يتجدد.

الاستفادة من منصات التواصل

 

◄ الكسكس، الطبق المغربي الأصيل، يحتل مكانة خاصة في قلبها، فقد كان رمزًا للعائلة والاحتفال

انتشرت قصة زينب بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث بدأ الناس يتابعونها ويشاركون لحظاتها تأثرًا بروحها الإنسانية. حصدت مئات الآلاف من المتابعين على تيك توك وإنستغرام، الذين أعجبوا بتواضعها وعفويتها وحرصها على نشر رسالة المحبة من خلال الكسكس. لم تقتصر المتابعة على مجرد الترحاب، بل تطور الأمر إلى دعم مادي ومعنوي يساعدها على الاستمرار في التوسع في مبادراتها. أصبحت هاشتاغات مثل  #كسكس_المشاركة تشكل منصة تواصل تجمع بين الناس من خلفيات مختلفة تتقاسم نفس الرغبة في الخير والمحبة.

ومع مرور الوقت، لم تقتصر جهود زينب على تقديم وجبات الكسكس فقط، بل وسعت نطاق عملها ليشمل توزيع الأغطية والملابس الشتوية على المشردين والمحتاجين خلال الفصول الباردة. استثمرت دعم المجتمع والمتابعين لتنظيم حملات تضامنية تدخل الدفء على سكان الشوارع في أسوأ الظروف. ظل هدفها واضحًا دائمًا: إدخال البسمة والسرور على وجوه من يعانون من الوحدة والعوز، باستخدام أبسط وسائل دعم ممكنة وأكثرها إنسانية.

◄ زينب القادري، امرأة مهاجرة من المغرب، تمكنت من تحويل حلم بسيط إلى مبادرة تنبض بالحب والعطاء

الإعلام وتأثير المبادرة

حظيت قصة زينب باهتمام واسع من وسائل الإعلام الفرنسية التي روت قصتها كرمز للأمل والتآزر داخل مجتمع متنوع الثقافات والخلفيات. بثت قناة “فرانس2” تقريرا تناول قصتها وأسلوب حياتها، فاستقطب ذلك اهتمامًا أكبر وعزز مكانتها كمثال يُحتذى به في العمل الخيري الشعبي. أصبحت المبادرة دراسة حالة واقعية عن كيف يمكن للفرد الواحد أن يحدث فارقًا حقيقيًا إذا ما آمن برسالته وعمل بجد وإخلاص.

وفي الوقت الذي تعاني فيه الثقافات المغاربية من نظرة نمطية أحيانا، جاءت مبادرة زينب لتُبرز صورة أخرى لطيفة وحقيقية مبنية على الكرم والطيبة والاحترام. الجمع بين الثقافات والصحبة في لحظة يملؤها الدفء الإنساني ساهم في تعزيز التفاهم المتبادل وكسر الحواجز الاجتماعية والثقافية. الكسكس، ذلك الطبق الشعبي العريق، تحول إلى رمز نبيل للوحدة الإنسانية المشتركة، متجاوزا حدود الجغرافيا والهوية.

قصة زينب تذكرنا بأن المبادرات الصغيرة المنطلقة من القلب قد تكون الأثرى والأكثر نفوذًا في إعادة بناء الروابط الاجتماعية، وتغذية روح التضامن بين الناس. رغم بساطة الإمكانيات، استطاعت أن تصنع موجة خير تتخطى حدود الحي والمدينة، وتصل إلى قلوب المئات بل الآلاف. إن نموذجًا مثل هذا يشجع على التفكير في كيف يمكن لكل منا أن يساهم ولو بخطوة صغيرة في تحسين حياة من حوله، وأن يدفع باتجاه عالم أكثر رحمة وإنسانية.

الطبخ بالنسبة لزينب كان وسيلة للتواصل مع أمها، وأيضا مدرسة تعلمت فيها دروس الصبر والإصرار والفن والاهتمام بأدق التفاصيل

 

 

الطيب ولد العروسي

كاتب جزائري

المصدر: العرب