جدل الفقهي والجمالي في طلعة القاضي شكرود

جمعة, 07/17/2026 - 23:34

مباركة بنت البراء

 

كثيرا ما يُنعت شعر الفقهاء بأنه شعر بارد لا روح فيه ولا إمتاع، فأغلب الأشعار المنسوبة إليهم جاءت تقييدا لفوائد علمية، وضبطا لأحكام وتشريعات، ذلك أن رسالة الفقيه تتطلب الجد والصرامة، وتقتضي النصح والإرشاد لتهدي الناس إلى سواء السبيل.

إلا أن استثناءات أحيانا تخرم تلك القاعدة، وذلك عندما تتلبس الفقيه روح الشعر فيمنح نفسه مساحة من حرية القول تنأى بها عن سلطة النموذج، وترتفع بها إلى سماء الإبداع، مما يثير المتعة لدى المتلقي ويرقى به إلى مدارج الخيال.

وقد استوقفتني طلعة خفيفة في إحدى المجموعات الواتسابية للقاضي شَكْرُودْ وأثارت لدي شهوة الكتابة، يقول:

گُـولِــيــلِـي يَــچِـلِّـــيـــتْ

يَـكَـــانِــي لَا صَـــلَّــيْـــــتْ إِفْ لِـمْـسِـيـدْ ؤُوَلَّـيْــتْ

وِاگْعَـدْتْ اشْوَيْ احْذَاكْ تَـمِـدْغِـيلــِي لَا جَــيْــتْ

گِـشْـرَه ولْلَّ مِـــسْــواكْ؟

جاء النص جملة استفهامية موسعة بدأت بفعل الأمر والمنادى: (گُـولِـيـلِـــي يَـچِـلِّـيـــتْ)، ثم تخللتها ثلاث جمل خبرية: (يَـــكَـانِي لَا صَـلَّـيْــــتْ/ ؤُوَلَّـيْــتْ/ وِاگْعَـدْتْ اشْوَيْ)، لنصل في التافلويتين الأخيرتين إلى تمام الجملة الاستفهامية وجوهر السؤال: (تَـمِـدْغِيلِي لا جَـيْتْ @ گِـشْـرَه ولْلَّ مِـسْـــواكْ؟)،

ولعل المفارقة تكمن في القيام بالصلاة وأدائها في المسجد ثم السؤال المطروح الذي يُتِمُّ الجملة الاستفهامية ويأتي ختاما للنص.

فهل كان المتلقي يتوقع بعد كل الممهدات ذات المسحة الدينية أن يُطرح سؤال مماثل؟

إن أول فعل يقوم به القاضي هو الصلاة في المسجد، ثم العودة منه، والتلبث يسيرا قرب المعنية، هذه اللحظة الفاصلة بين الصلاة ومتابعة السير، هي بؤرة التوتر في النص ومركز الثقل فيه، فلم تكن أفعال الطاعة والخير السابقة عليها إلا تمهيدا لها، وتأكيدا على أن للقاضي جانبا من الله لا يضيعه؛ وهو الرجل المتفقه في أمور الدين، ولكن للقلب ونوازعه جانبا لا يمكن إلغاؤه وهو الشاعر المرهف، غير أن ما يريده ويسأل عنه ليس حادا ولا سافرا، بل إن العفة والعذرية بارزة القسمات فيه: (تَـمِـدْغِيلِي لا جَـيْـتْ @ گِـشْــرَه ولْلَّ مِـسْـــوَاكْ؟)

إن للسؤال المرتبط بالمسواك رمزيته التليدة في لغن الحساني، فكثيرا ما يمنع الحياء المعرفي الشاعر الموريتاني من التصريح ببغيته، والإحالة إليها بملازم لها، فعُودُ الأراك أو البشام يمثل الكثير بالنسبة للمُحب، وعندما يحظى بنيله أو يخطفه عنوة من صاحبته يظل محافظا عليه باعتباره كنزا أثيرا، خاصة أنه لامس ثغر الحبيبة، وتخلل ثناياها، يقول أحمدو بمنب ولد أحمد ولد ألمين مناجيا مسواكا صغيرا يحتفظ به:

يَـوْگِي بِـيـكْ امْسَـيْــــوِيـكْ @ مُــــلَانَ عَـــاگِــدْ فِـــــيــــكْ حَـــزْمِــي مُـــژَبِّـي بِـــــيـــكْ @ وَاثْقَلْ شِي عِدْتْ امْعَاكْ خَـالِـــگْ لِي لِـمْـسَـاوِيــــكْ @ مَــا لَــحْـگُـو بَـــلْ اغْــــلَاكْ بِـافْــرُوغَـــكْ مَــانِي گــــادْ @ نِـسْـتَـغْـنَ عَـنْ مِــسْـوَاكْ ؤُذاكْ الْلّيِ غَـــيْـــــركْ زَادْ @ لَـخْـلَاگِي مَــاهُــو حَـــــاكْ

فالشاعر لا يريد للمسواك الصغير أن يخلص إذ ليس له ما يعوضه، وهو ما يوحي بندرة جنسه وصعوبة الحصول على مثله.

وللشيخ ولد مكي وقفات أثيرة مع المسواك، ففي إحدى رسائله يوصي صديقه المسافر إلى الوطن أن يحصل له على مسواك من الحبيبة، وأن يتقي الله في أداء الأمانة:

لَا جَـيْـتْ إِلْ مَـتَّـــانِـتْ لِـــهْــلَاكْ @ گُولْ الْهَا عَنِّي كِنْتْ امْعَاكْ

مِسْـتَحْـفِي، راهِـي تَـفْهَـمْ ذَاكْ @ وإِلْلِّي گَـالِـتْ لَـكْ گُــولُولي

ؤُگُـولْ الْهَا تِرْسِلْ لِي مِسْوَاكْ @ وِيــلَا طَـاتُـــولَـكْ جِـيــبُــولِي

ؤُگُــــولْ الْـهَــا هَـــاذَ حَــگْ اَلْلَّ @ ؤُسَـوَّلْهَـالِي عَـنْ مَـرْسُـولِي

كَــــانُــــو كَـــالْ ارْسُــولــي وَلْلَّ @ يَكَـانُـو مَــا كَـــالْ ارْسُـــولِي؟

وللشيخ من طلعة أخرى متغنيا بمسواك منح له تحت جنح ليل بهيم:

يَــلَّالِــي بَــعْـــدْ @ فِــيَّ مَـبْــعَــــدْ مِسْـوَاكْ امْتَـدْ @ لِي يَالْــفَـكَّــاكْ مَـــدُّولِي حَـــدْ @ فِاللَّـيْـلْ ابْهَـاكْ ؤُيَــــــلَّالِي زَادْ @ مَـــعَـــــدَّلْ ذَاكْ الْـحَــدْ الْـمَـــادْ @ ذَاكْ الْمِـسْوَاكْ

فقيمة المسواك يكتسبها من صاحبته، ويستمد رمزيته من كونه ملازما لفيها، والحصول عليه يقوم مقام قبلة لثغرها، والقاضي شكرود عندما يطرح السؤال فإنه يقصد ضمنا ملازم المسواك، مع أنه حاول الإيهام بأنه أورده على سبيل التداعي؛ حين قال: (تَـمِـدْغِيلِي چِـلِّــيـــتْ گِـشْـرَه) وهي كناية عن الإعراض في الاصطلاح الحساني، وذكر الگِـشْـرَه يستدعي العود، يقولون في المثل: (يدخل بين الگِشره والعودْ)، أي يحشر نفسه في كل شيء، والقاضي لديه مطلب يتضح من السياق أنه تقدم به مرات إلى چِـلِّــيـــتْ وفي كل مرة (تَـمْـدَغْ عَنُّو گِشْره) أي تعرض عن المطلب، وقد أوضح التداعي طبيعة المقصود فجاء المسواك إحالة رمزية إليه لملازمته إياه.

فالخطاب خطاب مشفر دال، يحتاج إعادة نظر في النص لفهم إحالاته الضمنية، وهو مجلل بالحياء المعرفي والوقار الفقهي إلا أنه لا يلغي نوازع القلب وأمنياته.

ولا شك أن الفقيه وهو يريد الحصول على غاية يمكن أن يجد لها تخريجا مقنعا في النصوص، يقول أحد فقهاء سبتة:

يَـقُـولُ لِيَ الْمَحْـبُـوبُ لَـمَّـا لَثَمْـتُـهُ ** وَقَـبَّلْتُ فَاهُ وَهْوَ كالْــبَــدْرِ سَـــــافِــرُ

أَجَـــوَّزَ هَـــذَا يَـــا مُـحَـمَّـــدُ رَبُّـــنَـــــا؟** فَـقُــلْتُ نَـعَــمْ، مِـثْلِي لِـمِـثْلِكَ عَـاذِرُ

فَلَا إِثْـــمَ فِـي تَقْبِيـلِ صَــبٍّ حَبِيبَهُ ** وَمُـفْـتِـيــكَ فِـي هَـذَا فَقِيـهٌ وَشَاعِــرُ.