
ينتمي محمد يحيى المختار إلى الجيل الأول الذي نشأ مع بدايات الدولة الموريتانية المستقلة، وهو جيل حمل طموحات بناء الوطن الجديد وساهم في مؤسساته وإدارته وحياته الثقافية خلال العقود الأولى من الاستقلال. وقد جمع في شخصيته بين التكوين العلمي، وإتقان اللغات، والانفتاح على الثقافات المختلفة، والاهتمام بالأدب والصحافة، فكان مثالاً للمثقف الذي جمع بين المعرفة والعمل وخدمة وطنه.
ولد سنة 1953، ونشأ في كنف أسرة موريتانية كانت تقيم في ليبيا خلال السنوات الأخيرة من الحقبة الاستعمارية. وبعد استقلال موريتانيا سنة 1960، استجابت الأسرة للدعوة التي وجهتها الدولة الموريتانية إلى أبناء الجاليات المقيمة في الخارج للمساهمة في بناء الوطن والمشاركة في نهضته. وفي سنة 1961 عادت الأسرة إلى موريتانيا بعد أن أعطى الرئيس المختار ولد داداه رحمه الله تعليماته بتسهيل انتقالهم إلى بلدهم.
استقرت الأسرة بمدينة روصو، التي كانت آنذاك إحدى أهم الحواضر الإدارية والتعليمية في البلاد، وهناك تلقى محمد يحيى المختار تعليمه الابتدائي والإعدادي. وقد برز منذ سنواته الدراسية الأولى بحبه للمعرفة، قبل أن ينتقل مع أسرته إلى نواكشوط لمواصلة دراسته الثانوية، حيث حصل على شهادة البكالوريا.
وخلال تلك المرحلة أظهر تميزاً خاصاً وذكاء لافتا في إجادته اللغة الإنجليزية، مما أهله للفوز في مسابقة دراسية مكنته من الحصول على منحة دراسية إلى المملكة المتحدة رفقة طالب موريتاني آخر. وفي لندن تابع دراسته الجامعية في تخصص الجيولوجيا، وأعد بحث تخرجه حول ظاهرة «مثلث برمودا» التي كانت آنذاك من المواضيع العلمية المثيرة للاهتمام والنقاش.
امتدت إقامته الدراسية في أوروبا نحو ست سنوات، لم تقتصر على التحصيل الأكاديمي فحسب، بل أتاحت له الاطلاع على تجارب ثقافية وحضارية متنوعة من خلال زياراته لعدد من البلدان الأوروبية. وقد أسهمت هذه التجربة في توسيع آفاقه الفكرية وتعميق معارفه الإنسانية والثقافية.
وعندما عاد إلى موريتانيا كان قد اكتسب رصيداً علمياً ومعرفياً متميزاً، كما أصبح يجيد عدة لغات أجنبية، من بينها الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والألمانية، إلى جانب اللغة العربية. وقد انعكس هذا التكوين المتنوع على مسيرته المهنية، فكان من الكفاءات الوطنية التي استفادت منها المؤسسات الناشئة في تلك المرحلة.
التحق بالمكتب الوطني للسياحة في فترة مبكرة من تأسيسه، وعمل فيه حتى تولى رئاسة إحدى المصالح. وخلال هذه الفترة شارك في عدد من المعارض والتظاهرات السياحية الدولية ممثلاً لموريتانيا، وساهم في التعريف بمقوماتها الثقافية والسياحية، مستفيداً من إتقانه للغات الأجنبية ومن ثقافته الواسعة وقدرته على التواصل مع مختلف البيئات.
ومع الظروف الاقتصادية والسياسية التي شهدتها البلاد في مطلع ثمانينيات القرن العشرين، اتخذ قرار الهجرة إلى ليبيا بحثاً عن آفاق مهنية جديدة. وهناك بدأ العمل في مجال التعليم، فدرّس اللغات الأجنبية، ولا سيما اللغة الفرنسية، بثانوية المقرون، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى العمل في شركة «المهاري» للمنتجات البترولية بطرابلس، حيث شغل وظيفة مهمة ألا وهي مدير العلاقات العامة وظل يعمل بها حتى وفاته.
ولم يكن اهتمام محمد يحيى المختار مقتصراً على العمل الإداري أو التعليمي؛ فقد نشأ في بيئة علمية وأدبية عريقة عُرفت بالتمكن من اللغة العربية وعلومها. وكان والده المختار ولد محمدو ولد أيه من أهل المعرفة والبيان، حتى وصفه من عرفوه بأنه «كنز لغوي وأدبي يسير على قدمين»، وهو ما انعكس على أبنائه الذين نهلوا من ذلك الإرث العلمي والثقافي (عبد الله رحمه الله؛ محمد يحيى رحمه الله؛ محمد أحمد؛ مريم الملقبة أم عزيز، أطال الله عمرهما). وقد ظل محمد يحيى المختار طوال حياته شديد الصلة باللغة العربية وآدابها، رغم إتقانه لعدد من اللغات الأجنبية وتخصصه العلمي الحديث.
عرف بين معارفه ورفاقه بحبه للأدب والشعر والسرد، وكان واسع الاطلاع، شغوفاً بالقراءة ومتابعة الشأن الثقافي والفكري. وقد وجد في الكتابة والأدب مجالاً للتعبير عن رؤيته للحياة وقضايا المجتمع، فكتب الشعر والذي ضاع جله نظرا للتضييق السياسي حين ذاك.
كما أن لديه بعض التجارب الصحفية، ناهيك عن مشاركته تحرير وطباعة صحيفة «صيحة المظلوم»، وهي صحيفة سرية ذات توجه ثوري ونضالي كانت تصدر عن حركة الكادحين، وتُعد من أبرز المنابر السياسية المعارضة التي واجهت الحظر من السلطة الحاكمة آنذاك. وقد أسهم من خلال دوره فيها في نشر الأفكار والآراء التي تبنتها الحركة، مؤمناً بالدور الذي يمكن أن تؤديه الكلمة في الدفاع عن القضايا الاجتماعية والسياسية التي كان يراها عادلة.
وهكذا اجتمعت في شخصيته خصال متعددة؛ فقد كان رجل إدارة وكفاءة مهنية، ومثقفاً متعدد اللغات، وأديباً محباً للشعر والقراءة، وكاتباً مؤمناً بقيمة الكلمة وتأثيرها في المجتمع. وقد ظل هذا التوازن بين المعرفة الحديثة والإرث الثقافي العربي من أبرز السمات التي ميزت مسيرته وحضوره بين أبناء جيله.
لقد مثل محمد يحيى المختار نموذجاً لجيل آمن بالعلم طريقاً للارتقاء، وبالثقافة وسيلة للتقارب بين الشعوب، وبالعمل الجاد أساساً لخدمة المجتمع. جمع بين تجربة الوطن والاغتراب، وبين المعرفة الأكاديمية والانفتاح الثقافي، وبين المسؤولية المهنية والاهتمام بالأدب والفكر.
وفي سنة 1993 توفي في ليبيا، بعد حياة حافلة بالعطاء والتجارب المتنوعة، تاركاً وراءه سيرة طيبة وذكراً حسناً لدى أهله وأصدقائه وزملائه. وما تزال سيرته شاهدة على مسار رجل من أبناء جيل التأسيس، الذين ارتبطت حياتهم بتاريخ موريتانيا الحديثة، وأسهموا في بنائها كل من موقعه ومجاله.
رحم الله محمد يحيى المختار رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدمه من خدمة لوطنه وعائلته في ميزان حسناته.
المختار محمد يحي











