قراء ة في "طلعة" "حراك آكوم" لمحمد ولد اطفيل

ثلاثاء, 06/02/2026 - 02:30

د. مباركة بنت البراء

شاعرة موريتانية

 

 

هَـِـاذَ الـدَّهْــــرْ اتْـفُـو بِـيـــهْ@ مَـارِتْ عَــنُّــو غَــدَّارْ

ؤُمَــارِتْ مَــا تُـِــورَ فِــــبــهْ@ حَـلَاوَه مَـا تِـــمْــــرَارْ

خِظْتْ اعْـــلَ دَارْ الْــيُـوْمْ @ أَهْــــلْ أَيَّ يَالْـقَــيُّــومْ

شِفْــتْ آگُـــومْ الـتَّـيْــدُومْ @ لِمْـسَـهْــوِي كَانْ الـدَّارْ

مَحْـــرُوگْ ؤُعَــادْ احْمُـومْ @ سُـبْحَــانَـكْ يَالْـقَــهَّـارْ

مَــعْــوَدْ حَـــــرَّاگْـ أگُـــومْ @ مَاهُـو فَــاهِــمْ لَخْـبَارْ

تشكل النص من كاف وطلعه وتضمن أربع جمل خبرية وجملة إنشائية؛ شكلت الجملتان الأوليان مفتتح النص والحكمة المستمدة من معايشة الإنسان الزمن؛ فالدهر قلب حول؛ لا دوام له على حال، ولا أمان فيه من ارتحال، وهي المسلمة التي آمن بها الفلاسفة وأرقت الشعراء، فحاولوا مغالبة الزمن بالحفر في تفاصيله، واستعادة لحظاته الهاربة، والتوجع من طيه الحياة في أجمل لحظاتها والسخط من عبثه بها:

هَـاذَ الـدَّهْــرْ اتْـفُـو بِـيهْ@ مَــــارِتْ عَـنُّـو غَــدَّارْ

ؤُمَـارِتْ مَــا تُـورَ فِـبـهْ @ حَــــلَاوَه مَـا تِـمْـــرَارْ

إن الشاعر سيثبت بالحجة الساطعة مسلمته التي انطلق منها في الكاف، فيبسط في بقية النص الحدث كما عايشه واعتبر به، وينقل بعدسة المصور الماهر: مكانه وزمانه وشخوصه.

ويأتي حضور الشاعر في البدء متخذا موقع الفاعل الذي يصور ما طرأ على المكان من تبدل حال واندثار معالمَ:

خِظْــتْ اعْـــلَ دَارْ الْـيُــومْ @ أَهْـــلْ أَيَّ يَالْـقَــيُّـــومْ

شِفْــتْ آگُـــومْ الـتَّــيْــدُومْ @ لِمْـسَـهْــوِي كَانْ الـدَّارْ

مَحْـرُوگْ ؤُعَـــــادْ احْمُـومْ @

إن التغير الذي طال المكان كان شاهده الأكبر تحول جذع التيدوم إلى فحم، ويعرف شجر الدوم بصلابته وقوته، كما أنه يعمر طويلا، فموته إذن يعني الكثير للشعراء،. وقد جاء استخدام الشاعر كلمة "القيوم" في التافلويت الأولى ليمهد للحدث الذي أصاب الجذع، ويؤكد أن البقاء لله لا لغيره؛ فالقيوم صيغة مبالغة، وهو في اللغة: المدبر لخلقه الذي لا يحول ولا يزول مقابل الموجودات التي مصيرها الفناء.

إنها معاينة صعبة؛ أن يشهد الإنسان انمحاء مكان كان عامرا بناسه وشجره الدائم الخضرة، الباسق الظل، امر طالما أرق الشعراء منذ العهد الجاهلي؛ فبكوا الديار وندبوا الأطلال، ولم يكن ذلك إلا نذيرا لهم بأنهم جزء من المكان وأنهم آئلون إلى نفس المصير.

وتأتي الجملة الإنشائية التعجبية ختاما للطلعة، فيقف الشاعر موقف اعتبار وعتب على الشخص الذي حرق الجذع، وأحال الحياة مواتا، والخضرة اليانعة سوادا، وذكريات الشاعر وجعا مكينا:

سُـبْحَــانَـكْ يَالْـقَــهَّـــارْ

مَعْــوَدْ حَــرَّاگْـ أگُــــومْ @ مَاهُــو فَــاهِــمْ لَخْـبَــارْ

فحارق الجذع لم يعش تجربة الشاعر، ولم يشاطره الإحساس، مما أرهق الشاعر وحز في نفسه ، فجذع الدوم الذي كان على مقربة من الدمنة احترق واستحال فحما، وهو مشهد موجع للنفس الشفيفة التي ترى في عناصر الطبيعة شريكا محاورا، وإلفا منصتا.

لقد استحالت الخضرة اليانعة والظل الوارف والصلابة هباء منثورا؛ فحراك آكوم لم ترتبط ذكرياته بالجذع، ولم يتفيأ ظله يوما، ولم بتذوق زهو الطبيعة الحانية في عالم الصحراء الأجرد، إنه والشاعر ضدان لا يلتقيان.

ولئن تصدر الشاعر مركز الفاعل في مستهل الطلعه، فإنه أصبح في الأخير مفعولا به ضمنيا لمشيئة القهار، وعبث حراك آكوم.

ومن المعروف أن شجر الدوم يضرب به المثل في القوة فيقال: هذا الشخص (إهز التبدوم) تعبيرا عن قوته، كما أنه شجر دائم الخضرة، منتشر الظل وضخم الجذع، مما جعل الشاعر ينعى هذا الفقد المريع، ولا شك أن التحسر على الجذع يتضمن إحالة واضحة إلى العلاقة الحميمة بينه والشاعر ، فشجرته الباسقة وانتشار أغصانه ملائم لاقتناص لحظات لقاء في فضاء بدوي شحيح

هذا الاعتبار والحزن العميق قاد إلى حكمة مقررة في آخر الطلعة وجاءت تأكيدا للحكمة التي بدأت بها.

فاللوم كل اللوم يقع على الشخص الذي أحال الحياة مواتا والخضرة اليانعة سوادا، وموطن الذكريات واللقاء خرابا ماثلا.

وعلاقة الشاعر بالدوم تؤكد ارتباطه بمظاهر الطبيعة الجميلة، فهي الشجرة الدائمة الاخضرار، الوارفة الظل، والمقاومة للزمن لطول ما تُعَمَّـرُ، فحين يلحقها الفناء يكون وقع الفقد مؤثرا ومعبرا عن صيرورة الكائن الحي.

ولعل تساؤل الشاعر الجكني يحي ول باب عن التيدومات من بين كل الأشجار التي ذكر مواتها، دليل على المكانة التي يحتل هذا الشجر في نفسه من بين كل فصائل الشجر:

مَذْكُورْ الشَّرْگْ انُّو اخْرِيفْ @ عَاگِبْ دَهْرُو مَا فِيهْ رِيفْ

وإِرِيفِي يِحْـثِي وِانْسِـيـفْ @ مِنْ سِـنِـيـنْ اتْـرَامَــاتُــو

مِنْ طُـولْ الـشِّدَّه وِانْزيفْ @ سِـدْرُو مَـاتْ، ؤُتَـمَـاتُــو

وَأمُـورْ امَّـلِّي مَـاتْ كِـيفْ @ سِـدْرُو، وِالطَّـلْحْ أَمَّاتُـو

مَاتُو، ؤُلَا نَعْـرَفْ كَانْ وَادْ @ بُـوگَــرْفَه تَـيْـدُومَـاتُــو

مَـاتُـو، وَللَّ يَــكَــــانْ زَادْ @ تَـيْـدُومَاتُــو مَـا مَاتُــو؟

الشاعر يتلقى خبـر حلول فصل الخريف بعد جفاف حاد، مما يذكي الشجى ويلهب الحنين في نفس المغترب، فأخذ يسترجع أثره الذي غير معالم المكان وقضى على الغطاء النباتي؛ فماتت أشحار السِّدْرِ والسَّلَـمِ والطَّلْحِ، ولكن السؤال الأهم الذي ظل يؤرقه في غربته هو عن تلك الأشجار التي قاومت صولة القحط كعهده بها؛ وهي شجرات دوم بوگرفه، فيا ترى هل طالتهن يد القحط أم قاومن غوله لينعمن بالخريف المطير؟

وليس الشاعر سيديا ولد هدار بدعا في ارتباطه بشجر الدوم حتى وإن كانت أصابته يد الحدثان، فيتساءل عن الجذع المحترق الواقع على مرتفع عال، أظل قائما أم لا:

مَنْـدَرْتِي يَكَــانْ الْـمَلْـعُـــوگ @ اصْـوَيْگْ الـتَّيْـدُومْ الْـمَحْرُوگْ

اللِّي كَانْ الْفَوْگْ اعْل أَطَوْگْ @ اكْـرَاعْ إٍبْ لِـمْـعَـارِظْ تَــلُّـــو

كَانْ اعْـلَ رَاصْ أَطَوْگْ الْفَوْكْ @ يَــــكَــانُـــو مَـزَالْ إفْ بَـلُّـو؟

أما أحمدو سالم ولد الداهي فيخص دومتي "لكباش ولعريش" بلفتة خاصة، مما بؤكد تعلقه وشوقه إلى معاهده بالدخلات، مهما سطا عليها الجفاف، وغاب عنها ناسها :

ذَاكْ اللِّــي كَـانْ أَلَّا مَـزَالْ @ يَا اعْـلَـيْـبْ الْوَحْشْ امْعَ تِـبْــدَالْ

الـدَّهْــرْ ؤُتَـقَـلُّــبْ لَحْوَالْ @ وَاللَّ بَــاشْ انْـــزَادْ التِّـشْـوَاشْ

وَاللَّ بَاشْ الـتِّفْگَاد اثْـقَـالْ@ وِاطْفَگْ شِي مَا نَعْـرَفْ شِمْنَاشْ؟

وِاعْلِمْ عَنْ ذَاكْ اللِّي يِنْگالْ@ گِـذَّ گِـذَّ يِـنْـگــــــالْ اكْــذَاشْ

عَـنَّكْ مَا عَنْدَكْ حَـدْ ؤُگَالْ @ مَ وِيدَانَكْ وِارْبـيعَكْ نَـــاشْ

مَا يِـنْگِصْ تُوحَاشَكْ وَاشْگَالْ @ تُحَاشَكْ مَـزْيُـودْ إِبْ تُوحَاشْ

تَـيْـدُومِـتْ لِعْـرَيْشْ ؤُحَوْمِتْ@ تَيْـدُومِـتْ لَكْـبَــــاشْ، أَلَّ بَـاشْ

زَادِتْ تُوحَـاشَـكْ تَـيْـدُومِـتْ @ لِعْــرَبْـشْ ؤُتَـيْـدُومِـتْ لَكْـبَــــاشْ

ولا يقتصر حضور الدوم على تغني الشعراء به بل هو ثاو في الذاكرة الشعبية، حاضر في مسميات ابتوتت لغن، فالتيدوم نوع من أنواع لبتيت ولا شك أن إطلاق التسمية عليه يدل على صلابته وقوته وأنه الأصل الثابت للبتوته، وهو ما ذهب إليه الدكتور أحمدو ول اجربفين في كتابه: (نظرية التيدوم) حيث يقول إنه يعتبر من الناحية التاريخية أول لبتوته المحكمة الوزن ظهورا، ومنه اشتقت بقية لبتوته.

وفي الحكايات الشعبية فإن شجرته لضخامة جذعها وامتداد ظلها ظلت مأوى للخائفين، وملاذا للهاربين كما في حكاية التوأمين. وحكاية دفلنام.