قرأت ما كتبه الوزير السابق سيدي محمد ولد محم بخصوص نفي النسبة الحميرية لقبائل صنهاجة، ولدي عليه ملاحظات تستند إلى الحقائق التاريخية، والمنطق الاجتماعي، وما أورده كبار المؤرخين والنسابة، وذلك وفق النقاط التالية:
أولاً: التهافت في المقارنة الزمنية (أسبقية حِمْيَر التاريخية)
استند الوزير إلى أن مسمى "حِمْيَر" ظهر عام 115 قبل الميلاد، بينما الأمازيغ وجدوا قبل آلاف السنين. وهذا خلط بين "الأصل العرقي" و "المسمى السياسي"
- حِمْيَر ككيان ونسب: حِمْيَر بن سبأ هو حفيد "يعرب بن قحطان"، وجذوره تمتد في عمق التاريخ العربي القديم قبل مئات السنين من تأسيس "مملكة سبأ وذو ريدان" كقوة سياسية عام 115 ق.م. فالمسمى القبلي والنسبي يسبق الظهور السياسي للدولة بقرون.
- تأخر مسمى صنهاجة: في المقابل، لا نجد لمسمى "صنهاجة" ذكراً واحداً في النقوش القرطاجية أو الرومانية أو البيزنطية التي عاصرت شمال إفريقيا لقرون، بينما كانت "حِمْيَر" تملأ سمع الزمان وبصره بنقوش المسند وذكرها في الكتب المقدسة. لم يظهر اسم صنهاجة ككتلة مستقلة إلا مع الفتوحات الإسلامية، مما يرجح أنها هجرات عربية متأخرة (تبابعة) دخلت واندمجت في المكون البربري.
ثانياً: الاندماج لا ينفي الأصل المهاجر
إن وجود خط "التيفيناغ" أو الآثار الأمازيغية القديمة في شمال إفريقيا هو دليل على عراقة الأرض وسكانها الأصليين، لكنه ليس دليلاً على أن كل من سكنها هو "بربري أزلي":
التاريخ البشري قائم على الهجرات٫ وانصهار صنهاجة ضمن المكون البربري لا يعني بالضرورة وحدة الأصل. فالمجموعات الحميرية التي هاجرت في عهد التبابعة (مثل حملات أفريقش بن قيس بن صيفي الحميري الذي ينسب إليه اسم إفريقيا) انصهرت لغوياً واجتماعياً مع السكان المحليين لظروف العزلة الجغرافية، وهو ما يفسر تبنيها لنمط العيش المحلي مع الاحتفاظ بخصوصية "اللثام" الحميري.
ثالثاً: إجماع المؤرخين وقوة الرواية العربية
ليس من المنطقي وصف النسبة الحميرية بالتعسف بينما قال بها أكثر من 16 مؤرخاً من كبار علماء الأمة، والقول بنفيها هو "الشاذ" تاريخياً إذا ما قورن بحجم المؤيدين لها:
ابن خلدون: رغم كونه إحدى رواياته تمثل حجر الأساس للقائلين بالأصل البربري لصنهاجة، إلا أنه نقل باستفاضة في كتابه "العبر" عن نسابة العرب والبربر أن "صنهاجة وكتامة" هما من شعوب اليمانية ومن ولد حِمْيَر، وذكر نسبهم إلى صنهاج بن مثنى بن المسور بن يحصب الحميري.
القلقشندي في "صبح الأعشى": أكد أن صنهاجة من قبائل حِمْيَر، وأنهم لم يزالوا بالمغرب منذ عهد التبابعة.
المسعودي والطبري: أشاروا إلى الهجرات الحميرية الكبرى نحو المغرب.
الوزير لسان الدين بن الخطيب: أكد في تأريخه لدول المغرب هذا النسب الحميري.
رابعاً: الدلائل الأنثروبولوجية (اللثام واللغة)
اللثام: يعد "اللثام" علامة فارقة لـ "صنهاجة الظعن"، وهو تقليد عربي صميم عرفته قبائل جنوب الجزيرة العربية (كالمهرة وغيرها) للوقاية من تقلبات المناخ والتميز الاجتماعي، وهو ما لا نجد له أصلاً في بقية القبائل الأمازيغية المستقرة (كالمصمودة).
اللهجات: بقايا اللسان الحميري القديم واللغات العربية الجنوبية (كالمهرية والجبالية) تلتقي في خصائص فونولوجية وتصريفية مع بعض لهجات صنهاجة القديمة، مما يعزز فرضية الأصل المشترك الذي باعدت بينه الجغرافيا.
خامساً: رد المنطق بالمنطق
يقول ولد محم "ما الذي ينقص صنهاجة لتبحث عنه في حِمْيَر؟"، والرد هو أن البحث عن النسب ليس بحثاً عن "نقص" بل هو "تحقيق للحقائق". صنهاجة لا تحتاج لرفع شأنها بانتسابها لحمير، فهي بطلة "المرابطين" وحامية الأندلس، ولكن إنكار نسبها الحميري الذي تواتره المؤرخون والنسابة والقبائل نفسها (التي تفتخر بهذا النسب في أشعارها وتراثها) هو الذي يعد "قفزاً" على المرويات التاريخية الراسخة.
الخلاصة:
إن القول بأن صنهاجة من حِمْيَر ليس مجرد "عاطفة" أو "ذوبان في الغالب"، بل هو رأي تاريخي مسند بكتب الأنساب والتواريخ الإسلامية، ومدعوم بظاهرة الهجرات العربية الكبرى التي سبقت الإسلام، وما تأخر مسمى "صنهاجة" في النقوش القديمة إلا دليل على أنها تشكلت كحلف قبلي من أصول مهاجرة اندمجت في بيئتها الجديدة.








