
مجلة الشارقة/ العدد (76) ديسمبر 2025
كتب حسن المطروشي (شاعر ومترجم عماني، ولد في سلطنة عُمان. أصدر عدة أعمال شعرية ودواوين، مثل النسل المطرود، وقد حصل على العديد من الجوائز من أهمها جائزة توليولا الإيطالية للشعر العالمي):
شيخنا عمر يسافر في أدغال الليل عبر «غواية الرحيل»
يذهب الشاعر الموريتاني شيخنا عمر، في مجموعته الشعرية الأولى «غواية الرحيل» عميقا في طرح أسئلة الذات وهواجسها المؤرقة، متخذا من الليل فضاء ومن القصيدة أفقا رحبا لبث لواعجه التي تمثل في مجملها أسئلة الإنسان وهمومه.
---
ص 99
المتأمل في مجموعة «غواية الرحيل» يلمس بجلال النقد، فإن اختيار الشاعر «غواية الرحيل» عنوانا لمجموعته اختيار واع لرؤيته الفنية للعمل بشكل عام، فهو عنوان لإحدى قصائد المجموعة، وهذه القصيدة تمثل رحيلا في عوالم الغواية الشعرية التي تستهوى الشاعر، وتعبر عن عوالمه واشتغالاته. إنها تجسد سفرا روحيا يتداخل فيه العشق والشعر والليل بوصفه محل الإسراء الروحي في هذا المعراج الملكوتي للشاعر المبعثر في مفازات الليل في لحظات انكشاف الروح:
وكنت على نوء المساء مبعثرا
وكل فم في التيه يحسبني قطرا
تعـرى ذهولي كالنقوش.. وسامرت
كواكب أحلامي مجرتك السكرى
ويتجسد ارتباط شيخنا عمر بالليل باستحضاره بمناخاته وأجوائه في أغلب قصائد المجموعة، بل إن الكثير من القصائد تأتي مفردة الليل في عناوينها ومطالعها، مثل «ظلمة الضوء» و«ليل» و«وهم الخلاص» و«وطن أخير» و«حنين الصعود» و«المدلج نهارا» و«تراويح القصيدة» و«في شرفة الليل» و«أنثى المراسم» و«بريدي إلي».
ولعل هذه الأبيات من قصيدة «ليل» تجسد الفضاء الشعري العام لشيخنا عمر:
أطوي النهار هدوءا دون عاصفة
وكلما حان ليل قمت أستعر
ما بال.. ما بال أشعاري تفتشني
وتنثر التوق.. كم عني سأعتذر
سأعبر الليل تلو الليل أسألني
هل أنت بالليل حقا «شيخنا عمر»؟
وإذا كان العنوان في العمل الإبداعي يجسد العتبة النصية الأولى للولوج إلى العمل برمته، وفقا لما يقوله النقاد، فإن اختيار الشاعر «غواية الرحيل» عنوانا لمجموعته اختيار واع لرؤيته الفنية للعمل بشكل عام، فهو عنوان لإحدى قصائد المجموعة، وهذه القصيدة تمثل رحيلا في عوالم الغواية الشعرية التي تستهوى الشاعر، وتعبر عن عوالمه واشتغالاته.
المتأمل في مجموعته يلمس احتفاءه بموضوعتي الليل والشعر
---
ص 100
الشاعر الموريتاني شيخنا عمر
لم يبق لليل إلا أنت أو نامي
الآن أدركت أضغاثي وأحلامي
خنت الليالي التي خان السهاد بها
كسرت كأسي.. جلست الآن قدامي
إن الشاعر يستخدم لفظة «الليل» خارج سياقها القاموسي المعروف، فهي هنا دلالة للتعبير عن عمق التيه في ترحاله الهائل بحثا عن ملاذ آمن للروح، في هذا النفق الطويل الذي يبدو كأنه بلا آخر؛ إنه السفر في الغد البعيد كما يقول في قصيدة «وطن أخير»:
مسافر في غد ليل ولا بصر
أهكذا الأفق أم ضاع الغد القمر
ويقول في القصيدة ذاتها:
زرعت بي قلب ملهوف تملكه
وحي الضباب بقلب خانه الثمر
أجابه التيه في ليلاته عبثا
لا ظل للظل.. لا ماء ولا شجر
ويقول في قصيدة «المدلج نهارا»:
والليل.. ما الليل لولا ما أحاوله
هل من نجوم تجاري منحنى الفلق
للشاعر شيخنا عمر، مع الشعر والليل أحوال ومقامات، ونزوع ومكابدات، فهو الذي يجتمع في قلبه أكثر من ليل في اللحظة ذاتها، ويبوح بمكنوناته وخباياه جهرا أمام مرايا الليل، حيث تتعرى الروح وتنـكشف أستار القلب، حينما يبلغ الرحيل إلى ذروة الفراغ القصي، حيث لا شيء سوى طيوف الليل وهسيس القصيدة، ورائحة الخواء المضمخ بالحروف الراعفة.
يجتمع في قلبه أكثر من ليل في اللحظة ذاتها
هكذا بدا المشهد كما صوره في قصيدته «في شرفة الليل»:
ليلان في ليل تداعبه
عيناي يا قلبي كواكبه
بح للنوى ما كنت تهمسه
واكتب له ما أنت كاتبه
لولاك.. لولا الليل ما عبقت
روح الفراغ.. فأنت صاحبه
وحين يخاطب الأنثى القصيدة أو القصيدة الأنثى متوهما الخلاص يرى أمامه أضغاثه وأحلامه متناثرة، تماما مثل كأس الشاعر المكسورة المترعة بالأوهام، وذاته المتشظية في هذا الترحال الذي لا يهدأ، فتبدو ذاته في هيئة ذوات متعددة ويجلس قبالة شخص يتيقن أنه هو عين ذاته، في هذه اللحظة من التجلي والسطوع والانشطار لا يبقى سوى الليل بهيبته وجلاله؛ يقول في قصيدة «وهم الخلاص».
---
ص 101
ويركض الشاعر خلف فصوله
التي تبددت وانطوت
وعلى سبيل المفارقة أيضا يسمي إحدى قصائده «الهامسة»، وهي التي تضج بالحيرة والسؤال ومكاشفة الذات على نحو أقرب إلى التأنيب، في برهة انشطار هائلة يكابدها الكائن الذي سفح دمه على ممرات الوجود منذ بدء الخليقة، يحمل قلقه واعترافاته الكبرى، حين لا يرى في الوجود سوى الفراغ الهائل الذي سيفتح نوافذه ليطل عليه من القصيدة:
كفاك تكتب عن رؤياك معترفا
أن الهبوب الذي واراك ما سكنا
وأن في دمك المسفوح أسئلة
من حيرة. البدء تحكي السهل والحزنا
افتح نوافذك الأخرى على شغف
لأنني لا أرى إلاك أنت هنا
وفي قصيدة «وله» نراه يعبر الفصول والأزمنة، يركض خلف فصوله التي تبددت وانطوت، فيما الليل يقف مثل كائن عقور يعوي لاهثا من البعيد، والمرايا تنطفئ أمام ناظريه، وهو يشاهد انحسار الجمال من الوجود، شاهرا قصيدته في وجه القبح الذي يهدد العالم:
عبرت الآن فصل البعد علي
أراجع ما تبدد من فصولي
ويعوي الليل تنطفئ المرايا
وما سلب الجمال من الجميل
أما في قصيدة «في ظلمة الضوء»، وهي العنوان الذي يتوشح بالمفارقة الصادمة، فيرسم لوحة أخرى له مع الليل والقصيدة، وهو في لحظة التجلي العالية حيث يرصد الجانب المظلم من الضوء، هذه اللحظة من الانعتاق الخالص لا يبلغها إلا الواصلون، وفقا للتعبير الصوفي، الذين عبروا الحجب واجتازوا ثقل الطيني في النفس البشرية.
إنها حالة قصوى من مكابدات القصيدة التي استعصت على اللغة العادية، فراح ينحتها من مفردات المجاز؛ إنه يبحث عن لغة داخل اللغة، ومعنى خبيء داخل المعنى:
لشارع بشعاب الليل أرسلها
قصيدة طفلة.. تبكي لأحملها
تحبو مدللة تجتاز أخيلتي
وبي من التوق ما يغري تدللها
تنهل القمر المنشق بوصلة
كأن نايا إلي الآن بوصلة
مذ آمنت مفرداتي باستحالتها
وحيا مجازا دعتني أن أؤولها
حتى إذا استنزفتني الأرض قافية
مدت إلي سماء الشعر أحبلها
لأعرج الليل مصباحا تعلقه
وأرقب الصبح ميقاتا تخللها
وكمـا كتب الشاعر عن «ظلمة الضوء» يطالعنا في مفارقة أخرى حين يكتب عن «المدلج نهارا»، وكما هو معروف أن المدلج هو المسافر ليلا، إلا أنه في هذه القصيدة يقلب معادلة المنطق ويتخطى اشتراطات اللغة والزمن، فهو يأتي بليله في نهار الوجود، ويسري في رابعة النهار، ليقابل قلبه الذاهب إلى المغيب، قلبه الذي مضى يستنطق الشعر، ويروي حكاية الروح التي استنزفته في هذه الملحمة القاسية من البوح والذهاب قصيا في معارج القصيدة.
---
ص 102
وحين قابلت قلبي بالمغيب دنا
مني، وقبل روحي حين لم يفق
وقال للشعر قل ما شئت.. وابتدأت
حكاية لم تزل تروى على النزق
واستنزفتني حروفي ذات ملحمة
ضج الضياء بها في ظلمة الألق
وحين تلح أسئلة الوجود على قلب الشاعر يبحث في الشعر عن ملاذ أو خلاص، ويبث نجواه للقصيدة لعله يجد فيها ما يشفي غليل الكينونة الحائرة؛ هكذا بدا في قصيدة «شيء في ذمة المحذوف»:
هل أنا في الرؤى احتمالات حلم
أم أنا في اليقين محض ارتياب
طالما.. كيف لم تجبني.. رجاء
أيها الشعر هل لديك جوابي؟
اختياره للعنوان يعكس وعيا لرؤيته الفنية للعمل بشكل عام
---
ص 103
وأخيرا يمكننا القول إن مجموعة «غواية الرحيل» للشاعر شيخنا عمر، هي بالفعل غواية آسرة تستدرج القارئ للرحيل عبر مناخات الشاعر في عوالم الليل والشعر، ومواضيع أخرى كالحب والوطن وغيرهما، لا يسع المجال للحديث عنها هنا، إذ إننا نركز على الملمحين الأكثر سطوعا في ثنايا هذه المجموعة الشعرية.
ويشار إلى أن المجموعة هي أول الإصدارات الشعرية للشاعر، وقد صدرت عن دائرة الثقافة بالشارقة، عام 2024، وتقع في 84 صفحة من القطع الصغير، وتشتمل على 21 قصيدة جاء 19 نصا منها من الشعر المقفى، فيما جاءت قصيدتان من شعر التفعيلة هما «البنفسجة» و«الأسماء».
استراحة الكتب
98 – 103
العدد (76) ديسمبر 2025









