
لعزيزة البرناوي
شاعر موريتانية
كتب ماركس ورفيقه انجلس بيانهما الذي كان له ما بعده، و أنا اليوم في الفصل الخامس من (بيان من أجل النيلة): من أجل ثقافتنا الشعبية، من أجل الهوية.
قد يكون لبس (النيلة) خروجا عن المألوف وبحثا عن الشهرة بالنسبة للبعض، أما في حالتي فإن الأمر مختلف.
مختلف لأن سلوكي ومواقفي اختيار عن وعي، و الذين يتحدثون عن التبرج بلبس النيلة، يرد عليهم الواقع: واقع النيلة وواقع الصورة.
مختلف كذلك لأني قد أكون الشخص الوحيد، الذي لا يمكن أن يكون تعبيره عن علاقته بالثقافة الشعبية، سواء بلبس النيلة أو بغير ذلك، تتطفلا أو قصد لفت الانتباه.
لقد أسست، غيرة على ثقافتنا المهددة (مركز لعزيزة للثقافة الشعبية) وقد نظمت ندوات ودورات لمختلف ألوانها، وجمعت مكتبة صوتية وورقية كبيرة حولها.
كما أصدرت ُ كتبا منشورة حول جوانب مختلفة منها، لذلك قلت أنني في الفصل الخامس من (بيان من أجل النيلة) ومازلت على الدرب _إن شاء الله _سائرة، لذلك عندما لبست النيلة فإن المظهر يعبر حقا عني، فلا أبالغ إذا قلت من شدة اندماجي في ثقافتي الشعبية وحبي لها، وتفاني في خدمتي لها، وخوفي عليها، إنها هي أنا و أنا هي: إنه الاتحاد التام.
ولا أجد تعبيرا أكثر دقة في علاقتي بها مما وصف به نزار قباني جو الأسرة في عائلته التي يصفها في رائعته مماويل دمشقية إلى قمر بغداد:
أيقظَتْني بلقيس في زُرْقة الَفجْر
وغَنَتْ من العراق مَقَاما
أرسلَت شَعْرها كنَهْر (دِيَالى)
أرأيتمْ شَعْراً يقول كَلاَما ؟
إلى أن يقول وهذا هو محل الشاهد:
قبل عصر التوحيد نحن اتحدنا
وجعلنا (راوا) دمشقَ الشاما
بالفعل لبست النيلة، لأنها حضارتي.. هويتي ولأنها مهددة، فأردت أن استمتع بها قبل أن تفارقني إلى الأبد، وقبل أن انشغل عنها في دوامات الالتزام الإداري و الضوابط الوظيفية، فلبس النيلة حسب البعض لا يناسب العمل و لا الإدارة، لكنه بالنسبة لي وأمثالي من العاطلين عن العمل ممارسة راقية للتمتع بما تتيحه البطالة من حرية، حالة قد ينطبق عليها في وجه من معانيه(الگاف) البديع الشهير لمعالي الوزير الفتى محمد فال ولد بلال:
حَدْ اغْنَاهْ الله ءُ وَسَاهْ
إگـَدْ إريِحْ من اتْلَحْليحْ
ماهُ طَالَب تعيين إراه
ولاه طالبْ تَرْشِيحْ، إرِيحْ
والمؤلم أن التهديد الذي تعرفه ثقافتنا الشعبية لا يقتصر على تغييب مظاهرها المادية ا مثل النيلة) إنما يتعدى ذلك إلى استمراريتها في الأجيال، فكم من الشباب اليوم يمكن أن يستمر فيهم عطاء العمالقة مثل معالي الوزير عبد الله السالم ولد المعلى، والأديب اسماعيل ولد محمد يحظيه، و الدكتور المفكر محمدو ولد احظانا، والدكتورة بات بنت البراء، والشاعرة المبدعة النانة بنت شيخنا ولد محمد لغظف، الذين ستبقى مساهماتهم في هذه الثقافة شاهدة على مكانتهم الكبيرة التي انتزعوها بجدارة في تاريخنا الثقافي، و الذين جسدت جهودهم العلمية و الأدبية تعلقهم بهذه الثقافة وعشقهم لها.
لبست النيلة تشبثا بهويتي ورفضا لعصر الضياع..
لبست النيلة وأفخر بأنني أول امرأة تحضر (في النيلة ) حفلا ثقافيا ضخما في فندق خمسة نجوم، وأنني أول كاتبة موريتانية تتحدث لقناة الجزيرة في ملحفة امدَگَدِگَ من النيلة.
نعم حضرت بالنيلة _وأنا اشعر بالفخر _ حفل توقيع كتاب ابن خالتي الأستاذ الفخر محمد عبد الله ممين.
فإن لم تكونوا تنقمون مني إلا لبس النيلة و التمسك بهويتي الثقافية، فهنيئا لي زرقة و لقب البدوية، و هنيئا لكم لمعان ووردية المدنية.










