"غزة: حكايات أمل وصمود" ليس مجرد معرض تشكيلي، بل شهادة حيّة لفنان فلسطيني اختار أن يواجه الحرب بالفن.

فنان يستعمل الفن للعلاج
باريس - احتضن معهد العالم العربي في باريس معرضًا فنيًا بعنوان “غزة: حكايات أمل وصمود”، وذلك خلال الفترة الممتدة من 27 إلى 31 مايو 2026 في ساحة المعهد. شكّل هذا المعرض محطة فنية وإنسانية مؤثرة، حيث عرض مجموعة من الأعمال التشكيلية الأصلية التي أُنجزت في قلب الحصار والدمار داخل غزة، بريشة الفنان الفلسطيني أحمد مهنا، الذي وُلد ويعيش في القطاع، ويحمل في أعماله شهادة بصرية حيّة عن معاناة الإنسان الفلسطيني وصموده.
تمحور المعرض حول لوحات ورسومات تعكس الواقع المأساوي الذي يعيشه سكان غزة، في ظل سنوات طويلة من الحصار والحروب والدمار المتواصل. وقد جسدت الأعمال الفنية تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة ظروف إنسانية قاسية، ومعاناة متفاقمة نتيجة العدوان المستمر والتدمير الممنهج، وسط صمت دولي وعجز العالم عن وقف المأساة الإنسانية المتفاقمة.
نُظّم هذا المعرض بالتعاون مع وكالة الإعلام الفلسطينية، وبرعاية مشتركة بين المفوضية الأوروبية وبرنامج الأغذية العالمي. وضمّ ما يقارب ستين لوحة ورسمة أصلية، قدمت تجربة فنية وإنسانية عميقة، بعيدًا عن الخطابات السياسية الجامدة أو الأرقام والإحصائيات التي غالبًا ما تختزل معاناة الشعوب. فقد سعت هذه الأعمال إلى نقل القصص الإنسانية الحقيقية لسكان غزة، وإبراز وجوههم وأحلامهم وآلامهم بلغة الفن التي تتجاوز الحدود والحواجز.

◄ صرخة إنسانية ضد الحرب والدمار
ولم يقتصر تأثير المعرض على باريس فحسب، بل سبق أن جال في عدد من المدن والعواصم الأوروبية، من بينها بروكسل وغوتنبرغ ومالمو وكوبنهاغن وبرمنغهام وبون وماستريخت ولوفين وليل. وقد أتاح ذلك لجمهور أوروبي واسع فرصة نادرة للتعرف على التجربة الفلسطينية من منظور إنساني وفني مختلف، يقرّب المشاهد من الواقع المعيش بعيدًا عن الصورة الإعلامية التقليدية.
ويتميّز أحمد مهنا بكونه ليس مجرد فنان يوثّق معاناة شعبه، بل أيضًا معالجًا بالفن يعمل مع الأطفال في غزة الذين تعرضوا لصدمات نفسية بسبب الحرب والقصف وفقدان الأحبة والمنازل. فمن خلال الرسم والألوان يحاول مساعدة الأطفال على التعبير عن مشاعرهم وتجاوز آثار الخوف والصدمة، مؤمنًا بأن الفن يمكن أن يكون وسيلة للعلاج النفسي واستعادة التوازن الداخلي.
وقد مرّ الفنان بفترات طويلة عجز خلالها عن الرسم بسبب الضغوط النفسية القاسية وندرة المواد الفنية الناتجة عن الحصار المستمر. ومع نفاد أدواته ومواده الأساسية، اضطر إلى التركيز على تأمين احتياجات أسرته اليومية وسط ظروف معيشية شديدة الصعوبة. إلا أن الحاجة الملحّة إلى توثيق ما يعيشه شعبه دفعته للعودة إلى الرسم من جديد، مستخدمًا كل ما توفر حوله من مواد بسيطة.
ومن أكثر الجوانب رمزية وتأثيرًا في تجربته الفنية استخدامه علب الكرتون الخاصة ببرنامج الأغذية العالمي، والتي كانت تُستخدم لتغليف المساعدات الغذائية المرسلة إلى غزة. فقد حوّل هذه المواد المرتبطة بالبقاء والحاجة الإنسانية إلى لوحات تنبض بالحياة وتحمل رسائل عن الصمود والأمل والكرامة. وكان هذا التحول الفني بمثابة إعادة صياغة للمعاناة وتحويلها إلى فعل إبداع ومقاومة ثقافية.
وسعى المعرض إلى نقل هذه التجربة الإنسانية للزوار بأسلوب بصري مؤثر، مدعوم بشهادات حيّة قدّمها أعضاء من فريق برنامج الأغذية العالمي الذين عملوا ميدانيًا داخل غزة. وقد أضافت هذه الشهادات بُعدًا واقعيًا وعاطفيًا للمعرض، حيث ربطت بين الأعمال الفنية والواقع اليومي الذي تعيشه العائلات الفلسطينية تحت القصف والخوف والنزوح.
كما ضمّ المعرض أكثر من مئة عمل فني ومحتوى تفاعلي متعدد الوسائط، جمع بين الفن التقليدي والإعلام الرقمي، ما أتاح للزوار تجربة غامرة تقرّبهم من تفاصيل الحياة في غزة. وهدف المشروع، المدعوم من الاتحاد الأوروبي، إلى إبراز الوجه الإنساني للقضية الفلسطينية وتسليط الضوء على قدرة الإنسان الفلسطيني على التمسك بالحياة رغم الدمار والمعاناة.
وتكشف لوحات أحمد مهنا كيف يمكن للأشياء البسيطة والهامشية أن تتحول إلى رموز عظيمة للصمود. فكل لوحة تحمل قصة إنسانية قد لا تظهر في نشرات الأخبار أو التقارير السياسية، لكنها تعبّر بصدق عن الألم والأمل والرغبة في الاستمرار. وتبرز الأعمال توق الإنسان الفلسطيني للحياة والحرية، وإصراره على ممارسة الفن والإبداع رغم فقدان الأمان والاستقرار.

◄ المعرض سعى إلى نقل هذه التجربة الإنسانية للزوار بأسلوب بصري مؤثر، مدعوم بشهادات حيّة قدّمها أعضاء من فريق برنامج الأغذية العالمي
إن تجربة أحمد مهنا الفنية تمثل صرخة إنسانية ضد الحرب والدمار، ودليلًا على أن الفن قادر على أن يكون أداة للمقاومة السلمية وحفظ الذاكرة الجماعية والتعبير عن الهوية الوطنية. كما تؤكد أعماله أن الإبداع يمكن أن يتحول إلى وسيلة للدفاع عن الكرامة الإنسانية ومداواة الجراح النفسية والاجتماعية.
ويشكّل معرض باريس 2026 محطة بارزة ضمن هذه الجولة الأوروبية، لما يوفره من مساحة للتفاعل المباشر بين الجمهور الأوروبي والتجربة الفلسطينية المعاصرة. فالمعرض لا يكتفي بعرض أعمال فنية، بل يدعو الزائر إلى الشعور والتأمل والانخراط إنسانيًا مع قصص حقيقية تنبض بالألم والأمل معًا.
وفي النهاية، فإن “غزة: حكايات أمل وصمود” ليس مجرد معرض تشكيلي، بل شهادة حيّة لفنان فلسطيني اختار أن يواجه الحرب بالفن، وأن يحوّل الركام إلى لغة بصرية تعبّر عن الحياة والكرامة. إنه مشروع ثقافي وإنساني يعكس قدرة الإنسان على تحويل المعاناة إلى إبداع، واليأس إلى أمل، والصمت إلى صوت يصل إلى العالم.
ومن خلال المزج بين الفن والشهادة الإنسانية والتجربة الشخصية، يساهم هذا المعرض في تعزيز الوعي العالمي بالقضية الفلسطينية، ويؤكد أن الفن يظل إحدى أقوى الوسائل القادرة على نقل الحقيقة وبناء جسور التعاطف والتضامن بين الشعوب. كما يبرز قوة الإنسان الفلسطيني وإصراره على الحياة، وإيمانه العميق بأن الفن يمكن أن يكون رسالة مقاومة وأداة للتغيير والأمل.
كاتب جزائري









