
السؤل المحوري:
- ماهو المنشأ التاريخي للموسيقى الحسانية البظانية؟.
مدخل:
استمعت بإمعان إلى التسجيلات الحيوية التي قدمها الفنان الشاب المبدع مراد ولد أحمد زيدان. وما علق به كل من الفنان البارع محمد ولد اباشه، والفنان اللامع الشيخ ولد الداه ولد آب وما أثاراه من ملاحظات تستحق الانتباه.
ولأنني مهتم بالموسيقى الحسانية البظانية، تاريخا، ومصطلحا، وتذوقا فنيا.. في سياق اهتمامي العام بالظاهرة الثقافية الأنتروبولوجية لسكان الغرب الصحراوي عموما.
فإنني، -ودون أن أدعي الاختصاص الفني في علم الموسيقى الأدائي- أدعي الاطلاع على تاريخ هذه الموسيقى ومصطلحها، وبنيتها الفنية، و أنال من معرفتها بما يتيحه التذوق، و الأذن الموسيقية (الفتح)، أو بالتعود (دربة وملاحظة واستنتاجا ودراسة).
وبناء على هذه الخلفية، سأبدأ بمناقشة الاستنتاج الذي أدلى به الفنان المثقف موسيقيا الطموح فكريا، مراد، صاحب الصوت الشجي الذي ورثه عن أسرة أهل أحمد زيدان ذات الأصوات الأوركستارلية والمهارة في العزف، خاصة مدرسة والده الأستاذ الفنان الكبير سيد أحمد.. أطال الله عمره.
قد اتفق مع مراد في بعض ما قال فلا أذكره خوف التكرار، وأراجعه في بعض ما ذهب إليه، وقد أختلف معه في بعض استنتاجاته. سأبدأ إذن، بما قاله حول أحادية مصدر الموسيقى الحسانية البظانية.
يتطلب مني الحديث عن الموسيقى التي لم تعرف بعد بما يكفي -حتى ولو كان مختصرا- أن أحرر عدة مقالات توضيحية عامة، وسأبدأها بمناقشة طبيعة مصادرها وتأليفها لأنه مجال يبدو غامض على الكثيرين لندرة البحوث فيه.
لقد سمعت الفنان مراد يقول إن مصدر التيدنيت أفريقي وافد. مما يعني أحادية مصدرها. والتيدنيت هي عماد الموسيقى البظانية.
سأناقش هذا الاستنتاج، وليسمح لي الفنان مراد إذا اختلفت معه في استنتاجه هذا للأسباب التي سأذكرها، بما أتيح لي معلونات. .
روافد الموسيقى الحسانية البظانية
لتأطير المناقشة، فإنني أذكر ان استنتاجا كهذا قد لا يُسلّم به كل الباحثين في تاريخ الثقافة الشعبية المويتانية،
ولأن المؤرخين للثقافة الاجتماعية والأنتروبولوجية الموريتانية لم يتحدثوا في هذا المجال الفني الحيوي والمحوري في الثقافة البظانية؛ فإنني ارتأيت أن أناقش هذا الفنان الجاد، احتراما لرأيه، ومناقشة له، واستدراكا عليه.
أبدأ بالإجابة على التساؤل:
: -هل كان كانت موسيقى التينيت أفريقية المصدر ؟
سياق عام:
ابتداء نعلم بشأن الظاهرة الموسيقية في موريتانيا ومحيطها في الغرب الصحراوي، أولا، أنها:
- ظاهرة فنية لاتوجد بهذا التأليف المتكامل في أي مجال خارج فضاء البظان الناطقين بالحسانية، لا شمالا، ولا جنوبا، ولا شرقا، فهي في المغرب العربي إما أندلسية وإما قبائلية محلية، أو بربرية عامة؛
وهي في الشرق المسامت طارقية وهي في الجنوب الشرقي بنبارية وفلانية سونونكية،
وهي في الجنوب ولفية.
كل هذه الضروب الموسيقية تختلف عن موسيقى البظان، علما بأنها قد تتفق في بعض الوحدات الموسيقية أو المقامات مع هذه الشعوب والأقوام المجاورة؛ بل مع مناطق أخرى عبر العالم، فلاهي كموسيقى الطوارق، ولا بنباره، ولا التكارير، و سوروقلي..
إن التأليف الفني الدقيق المرتب على نظرية موسيقية فنية ثابتة (كما سنوى) ليس موجودا خارج حيز البظان الجغرافي بهذه الصورة، مما يجعلها إبداعا محليا أصيلا.
لكن هذا لا يمنع تأثير الموسيقى المجاورة فيها وغير المجاورة تأثيرا جزئيا لا كليا.
ونلخص إجابتنا في هذا المنحى بأن لهذه الموسيقى تاريخيا أربعة روافد، مع ملاحظة أنها ألفت على هذه الأرض بكل أصالة وعبقرية، والروافد هي: 1- الرافد الأول: الموسيقى الصنهاجية القديمة التي لاتزال أسماء الآلات الموسيقية الوترية الأساسية المتداولة بلغتها منذ القرن الخامس الهجري على الأقل.
وثمة حفريات تاريخية لذلك ذكرتها في كتاب معقول اللامعقول في الموعي العربي..
كذلك فإنه، ومنذ أن ساد بنو حسان على الغرب الصحراوي احتكرت إماراتهم الظاهرة الموسيقية وولاء فنانينها تجسيدا لسيادتهم السياسية.. وانفصلوا عن القبائل غير المحاربة
لكن قبل ذلك كانت توجد موسيقى صنهاجية منذ الفترة الثانية للإمارة المرابطية احتضنتها القبائل الأصلية. وثمة وصف لمجالس السماع في القرن التاسع الهجري تعكسها رسالة اللمتوني للسيوطي المدرجة في كتابه الحاوي للفتاوي.
كما أن ثمة قرينة أكثر صلة وأرسخ دلالة، وهي حفريات المصطلح في الموسيقى البظانية نفسها إلى اليوم.
وعادة لا تسمي الشعوب ظاهرة اجتماعية إلا إذا عرفتها وتبنتها.
ونضرب لهذه الحفريات اللغوية أمثلة من مصطلحات موسيقى البظان.مثل:
- "آردين": وفصاحته "أرثن"، وترجمته إلى الحسانية (الخبّاطْ)، وترجمته إلى العربية: المِعْزَف. وهو للجارية.
- "التيدنيت": وترجمتها بالحسانة (آلةْ لخبيطْ) وإلى العربية: آلة العزف، وهي عود يعزفه الرجل.
- "أزَوانْ": وترجتمه الحسانية (اكْلام الزْغبْ) وإلى العربية: بوح الأوتار. وهو اسم جمع مفرده آژاي. ودلاته: موسيقى البظان
كذلك أسماء بعض بحور هذه الموسيقى (الطبوع)، وظهورها (نوباتها)، التي توجد في حفريات المصطلح الموسيقي، فمن ذلك بالنسبة للبحور، مثلا: -"فاغو": وفصاحته (أفُّؤگِ)، وترجمته بالحسانية (أسربات) وبالعربية: الإغارة بالخيل. وهو بحر حماس (طبع).
-"سنِّيمَه": وفصاحته (أسِّنْ إمَنْ)، وترجمته بالحسانية: إگِينْ الروحّ، وبالعربية: يقين الروح أو عرفانها، وهو مقام محبة وعاطفة جياشة (طبع).
أما من الظهوره (النوبات) فنجد مثلا:
-"انْتَمَاسْ"، وفصاحته انتمَسّّن، وترجمته إلى الحسانية (مول أماسين) وإلى العربية: ذو الطلْع، أو المطالع. وهو مقام افتتاحي للفرح والحبور، وتبدأ به الطريق الكحله (نوبة). - "تنچوگه" وفصاحتها (تِنِنْيُكَيْ)، وترجمتها إلى الحسانية: (أمْ مَنْعَه): وإلى العربية: ذات المَنعة: أو الحصن الحصين. وهو مقام حماس (نوبة).
- و "چَيْنّه"، وفصاحتها (ادْيَإنَّانْ): وترجمتها إلى الحسانية: أهِلْنَ، وإلى العربية: أحبابنا أو أهلُنا ، وهو مقام محبة وعاطفة (نوبة).
- "انْوَفّلْ": وفصاحته: ينْوََأفَّلّّه. وترجمته إلى الحسانية: التطيابْ الفوگْاني. وترجمته إلى العربية: الدوزنة الأعلى.
استنتاجات:
يدل وجود هذه المصطلحات والوحدات الفنية على أن المصدر الصنهاجي حاضر تاريخيا في تشكيل طيف الموسيقى الموريتانية، مما يؤكد على تأصلها تاريخيا في المجال الصحراوي منذ عصور قديمة: ترجها قرائن إلى ق.ق: 9\10م: 4\5ه.
وفي هذا المعطى وجه استدراك على ما ذكره الفنان مراد بخصوص أصل الموسيقى البظانية تاريخيا. وسنوضح ذلك أكثر لاحقا ببراهين أخرى.
2- الرافد الثاني: الرافد الأندلسي المغاربي: للموسيقى البظانية الحسانية رافد عربي أندلسي، يتمثل حضوره في تطابق عدد النوبات الموسيقية الأندلسية والبظانية فكل منهما 24 نوبة، خلافا لبغض البلدان المغاربية التي لاتزيد فيها النوبات الأندلسية على 11 في المغرب؛ و 12 في الجزائر، و13 في تونس وغرب ليبيا.
وهي خصوصية ملفتة للانتباه بالنسبة لموسيقى البظان
. - تقوم الموسيقى الأندلسية والبظانية على نظام التتالي بين الثقيل والخفيف (الظهر والرخو، مقابل المقام وذيل المقام). - تقوم الموسيقى على المصاحب الصوتي الشعري المنظوم فصيحا في الأندلسية، وفصيحا أو حسانيا في البظانية.
- ثمة تداخل في المصطلحات مثل: رمل الماية (مقام)، في المقامات الأندلسية، والرمل في الموسيقى البظانية، وهو جزء من مقام.
- يوجد في الموسيقى الأندلسية من الآلات الموسيقية ما يسمى بالعود الشبوط، ولدينا أوتار منسوبة في موسيقى البظان لهذا العود، وهي " تِشِبُّطْ"، وترجمتها: الشبوطية، وهي المثالث والروابع والخوامس من الأوتار.
- حسب مخطوطة مقامات الحريري في المتحف البريطاني فإن صورة العود الأصلي الخالي من الملاوي موجودة فيها، وتشبه التيدنيت الأصلية عندنا في مجال الغرب الصحراوي.
استنتاج
تؤكد هذه المعطيات وغيرها مما لم نذكر أن الموسيقى الأندلسية والمغاربية وافد كبير من روافد الموسيقى البظانية.
3- الرافد الحساني:
وهو الرافد الذي قام بدورين محوريين في تشكيل موسيقى البظان بالصورة والصياغة التي توجد عليها حاليا؛
الأول: إثراء الموسيقى الأصلية التي كانت موجودة في المنطقة بالألحان الحسانية الهلالية.
- ربط الآلات المحلية بالأغاني المنظومة حسانيا، مما أثرى هذه الموسيقى ب"الأشوار" الرباعية، والخماسية، والسداسية، والثمانية، مطابقة للبتوته في لغنَ.
- كما صنفت داخلها بعض المقامات الهلالية والحسانية التي وفد بها بنو حسان إلى غرب الصحراء الكبرى.
الثاني: تجلى في التأليف المنضبط لهذا الفن الموسيقي المتفرد في مجاله حسب ضوابظ محكمة وواضحة قابلة للتعليم والأداء المرتب (نظرية فنية للموسيقى)..
4- الرافد الأفريقي، والسواحلي:
هذا المصدر ينعكس في الموسيقى البظانية من خلا مساهمات عدة من بينها:
- إضافة كثير من الإيفاعات الراقصة في الطبول والأوتار.
. - إضافة بعض المقامات مثل: مقاطع من مقام مكّه موسه، ومقام التحرار، السواحلي.
إثراء من بأشوار عديدة، و من ذلك: موس السبع، والسونكي، وانچرو، وگيرتا ولد صبيد وولد ماصه... وغيرها.
استنتاج:
بخصوص واحدية الرافد بالنسبة للموسيقى الحسانية البظانية من المهم أن أجلو هنا بعض اللبس حول الوهم الذي تولد في نهاية الخمسينات وبداية الستينات جراء القلق الذي نشأ عن عوامل سياسة بحتة، وتسرب ذلك العامل إلى رواية بعض الفنانين، أثناء معركة الاستقلال الموريتاني، فجرى تسجيل بعض الوثائق الموسيقية التي ادعت عدم الانتماء الثقافي الموسيقي للمجال المغاربي.
ورغم أن بعض الفنانين الموريتاني الأصلاء أوردوا حكايات تثبت التواصل الفني مع الأندلس والمغرب العربي (سيد أحمد البكاي ولد عوه) مثلا، كما هو بدهي ومسلم تاريخيا؛
ومع شهادة الفنان المالي الكبير: مزمودي الذي ذكر أن التيدنيت أتتهم من موريتانيا والشمال، وليس العكس؛
ورغم أن تسمية التيدنيت بالبولارية لاتزال تحتفظ باسم عربي غير مشتق من لغتهم هو: "عُودُو" (عود)، مثله مثل مصصلحات ثقافية أدبية وافدة على هذه الثقافة مثل: "بيتو" (بيت)، و "ليلي" (ليلى)، و "گيْسْ" (قيس)، في الشعر؛ ورغم أن العزف عند البظان - إضافة لما سبق- أوسع، وأكثر تنوعا من عزف القوميات الأفريقية؛
و مع أن مقامات التيدنيت الأفريقية قليلة بالمقارنة مع مقامات البظان، وغير خاضعة لترتيب ثابت إذ يمكن تقديم أي مقام منها أو تأخيره، مع جمال عزفهم وإجادتهم لما يعرفون: ف"سَيْگِلارِي"و "لَكْيَه" و "انْچَرُو" يمكن ترتيبهم اعتباطيا.؛
رغم كل هذه المحددات سمعنا الفنان المتميز مراد ولد أحمد زيدان يذكر أن موسيقى التيدنيت البظانية ذات رافد أفريقي وحيد، والتيدنيت هي الآلة التحليلية الأوسع مجالا في أداء النغمات والألحان الموسيقية المركبة للبظان.
إن موسيقى البظان تخضع لتأليف محكم لا يجوز فيه التقديم ولا التأخير بين المقامات (لا يجوز عزف انتماس مثلا بعد تنچوگه، ولا هيبه قبل ماغة چوگه. بينما يجوز ذلك في الموسيقى الأفريقية التي تغزف سيگلاري بعد انچرو أو العكس. فلا بأس في ذلك عند الفنانين الأفارقة.
استخلاص:
بناء على هذه المعطيات نستنتج أن الموسيقى البظانية التي تشكل نهرا جاريا من الألحان والإيقاعات والنغمات الثرية، والمقامات الخماسية والسباعية والسداسية، المولدة، لايمكن أن تأتي من رافد واحد ولا اثنين، كما لايمكن أن يكون النهر الجاري من رافد واحد..
إنما هي موسيقى متأثرة جزئيا بذا وذاك وذلك، فهي إبداع وسبك لتجارب شعوب أخرى، ممزوجة بتجربة إبداعية أصيلة الإنسان الناطق بالحسانية بمختلف مكوناته.
والشيء مع الشيء غيرهما، أحرى إذا أضيفت إليه صبغة الإبداع المحلية الفائقة، كما سنرى في مقالات لاحقة.
أخيرا، فإنني مسرور بغيرة الفنان المتميز مراد ولد أحمد زيدان على الموسيقى الموريتانية، وإتقانه لها وسعيه لتطويرها. لكنني ألتمس منه أن يهتم بتاريخ هذه الموسيقى حتى يكون حكمه عليها شاملا لجميع أبعادها. فثمة ممارسة الفن بكفاءة، وثمة تاريخ لهذا الفن، لا غنى للفنان عنه إن أراد أن يحصل رؤية متكاملة عن هذه الموسيقى.
ولنا عودة إلى زاوية أخرى من الموضوع. لأهميته الثقافية لدى الرأي العام في كل المجال الناطق بالحسانية..
الدكتور محمد ولد أحظانا









