أقنعة السطو: كيف تُنهب الحقيقة باسم الفن والعلم والإلهام؟

سبت, 05/30/2026 - 03:16

من "الموناليزا" إلى نيكولا تسلا والأدب "المنهوب" عبر الذكاء الاصطناعي: هل السرقة الحقيقية هي سرقة الأشياء، أم سرقة المعنى والاعتراف؟

 

سلوى دبوق

  • المصدر: الميادين نت
  •  
  •  

في صباح 22 آب/أغسطس عام 1911، دخل الرسام الفرنسي لويس بيرو إلى القاعة التي كانت تحتضن لوحة "الموناليزا" في متحف اللوفر في باريس، فوجد مكانها خالياً. كانت اللوحة قد سُرقت في اليوم السابق، لكن غيابها لم يُكتشف إلا في اليوم التالي. هكذا، وخلال ساعات، تحولت العاصمة الفرنسية إلى مدينة مذهولة، وأُغلقت أبواب المتحف، وبدأت الصحف تتحدث عن "الجريمة الفنية الكبرى". 

لكن المفارقة أن اللوحة لم تخسر شيئاً من قيمتها بعد السرقة، بل اكتسبت حياة جديدة. قبل اختفائها كانت "الموناليزا" عملاً فنياً مهماً بين مئات الأعمال، أما بعد ذلك فقد أصبحت أسطورة عالمية، كما لو أن الغياب منحها حضوراً أقوى، وكما لو أن البشر لا ينتبهون إلى قيمة الأشياء، إلا عندما تُنتزع منهم.

  •  

هذه الحادثة تكشف جانباً عميقاً من طبيعة السرقة. فالأمر لا يتعلق دائماً بالمال أو الامتلاك المادي، بل بالاستحواذ على المعنى نفسه. الأشياء تُسرق لأنها تحمل سلطة رمزية: لوحة تمنح المجد، واكتشاف علمي يمنح الخلود، ورمز ثقافي يمكن تحويله إلى سلعة مربحة. 

ولهذا فإن تاريخ الحضارة ليس فقط تاريخ بناء المدن والاختراعات، إنما أيضاً تاريخ طويل من محو الأسماء، ونهب الرموز، والاستيلاء على الاعتراف. تتغير الأقنعة عبر الزمن، لكن الرغبة تبقى واحدة: امتلاك الثمرة من دون تحمّل مشقة زرعها.

السطو الفني والعلمي: سرقة المجد والذاكرة

  •  

في عالم الفن، تبدو السرقة أحياناً أقرب إلى عرض مسرحي منها إلى جريمة تقليدية. الإيطالي فينتشنزو بيروجيا، الذي سرق لوحة "الموناليزا"، لم يكن مجرد لص محترف، بل كان عاملاً سابقاً في اللوفر ورجلاً مأخوذاً بفكرة إعادة اللوحة إلى "وطنها" الأصلي. لكن ما فعله تجاوز دوافعه الشخصية؛ إذ ساهم، من حيث لا يدري، في صناعة الأسطورة الحديثة للوحة.

بعد أكثر من قرن، عاد اللوفر نفسه ليشهد حادثة تعيد إنتاج البنية الرمزية ذاتها. ففي 19 تشرين الأول/أكتوبر عام 2025، اقتحم 4 لصوص ملثمون قاعة "أبولون" داخل المتحف، متنكرين بملابس عمّال أو صيانة، وسرقوا 8 قطع من مجوهرات التاج الفرنسي تعود إلى القرن الــ 19، وترتبط بشخصيات ملكية وإمبراطورية مثل ماري لويز، وماري أميلي، وهورتنس، والإمبراطورة أوجيني. 

لم يكن المشهد مهماً فقط بسبب قيمة المجوهرات، ولكن بسبب طابعه المسرحي والسّاخر، فالمؤسسة التي تحفظ رموز الإمبراطورية والسلطة خُدعت بمظهر العمّال البسطاء. حتى التنكر نفسه بدا وكأنه تعليق صامت على التاريخ الاجتماعي لفرنسا.

خلال هروب اللصوص، سقط تاج الإمبراطورة أوجيني خارج المتحف وعُثر عليه متضرراً. المفارقة هنا شديدة القسوة: التاج الذي صُمم ليُجسّد الهيبة والخلود تحوّل فجأة إلى قطعة مكسورة تحتاج إلى ترميم. في لحظة واحدة اهتزت الهالة التي صنعتها السلطة حول نفسها عبر الذهب والأحجار الكريمة. لم يعد التاج رمزاً للقوة وحدها، بل صار أيضاً شاهداً على هشاشة المؤسسات مهما بدت منيعة.

في العلم، تصبح السرقة أكثر قسوة لأنها لا تسلب شيئاً يمكن إعادته بسهولة، بل تسلب الاسم والمكانة والخلود. صورة روزاليند فرانكلين، وخلايا هنرييتا لاكس، وقصة نيكولا تسلا، كلها تكشف أن الاكتشاف لا يكفي وحده كي يدخل صاحبه التاريخ. أحياناً يحتاج الإنسان، فوق عبقريته، إلى مؤسسة تحميه، وسوق يعترف به، ونظام لا يمحو اسمه لحظة توزيع المجد. 

لكن السرقة تصبح أكثر خطورة حين تنتقل من قاعات المتاحف إلى المختبرات العلمية. ففي الفن يمكن استعادة اللوحة، أما في العلم فإن ما يُسرق غالباً هو الاعتراف نفسه. 

ففي العام 1952 التقطت العالمة روزاليند فرانكلين الصورة الشهيرة المعروفة باسم "الصورة 51"، وهي صورة حيود بالأشعة السينية قدّمت دليلاً حاسماً على الطبيعة الحلزونية للحمض النووي. غير أن الصورة عُرضت على جيمس واتسون من دون علم فرانكلين، وساعدت واتسون وفرانسيس كريك في بناء نموذج الحلزون المزدوج للحمض النووي. 

لاحقاً، مُنحت جائزة نوبل عام 1962 لواتسون وكريك وموريس ويلكنز، بينما بقي اسم فرانكلين في الظل لسنوات طويلة.

ما جرى لم يكن مجرد "سوء تعاون أكاديمي"، بل مثالاً على كيفية محو الأسماء من سجل التاريخ. فالعلم، رغم صورته العقلانية، تحكمه بدوره علاقات السلطة والنفوذ والمؤسسات الذكورية. غالباً لا ينتصر صاحب الفكرة وحده، ولكن من يملك القدرة على تقديمها للعالم بوصفها إنجازاً باسمه.

هذه القصة ستتكرر، وإن بشكل أكثر تعقيداً، مع نيكولا تسلا، الذي تحوّل مع الزمن إلى رمز للعبقرية التي سبقت عصرها ولم تحصل دائماً على الاعتراف الذي تستحقه. 

لم تكن الحكاية مجرد سرقة مباشرة من شخص إلى آخر، إنما صراعاً بين مخترعين وشركات وأسواق وأنظمة كهربائية، خاصة بين التيار المتناوب المرتبط بتسلا وويستينغهاوس، والتيار المستمر المرتبط بإديسون وشركاته. تسلا كان يملك الخيال والرؤية، لكن غيره امتلك السوق والتمويل والقدرة على صناعة الذاكرة العامة. وفي النهاية، السوق غالباً أكثر قدرة على كتابة التاريخ من العبقرية نفسها.

تكشف سرقة "الموناليزا" أن الغياب قد يصنع حضوراً أقوى من الوجود نفسه. قبل اختفائها كانت اللوحة عملاً فنياً عظيماً بين مئات الأعمال، لكن بعد سرقتها تحولت إلى أسطورة عالمية. كأن البشر لا ينتبهون إلى قيمة ما يملكون إلا حين يُنتزع منهم، وكأن السرقة لا تفضح ضعف الحماية فقط، بل تفضح أيضاً الطريقة التي نصنع بها القيمة والدهشة والذاكرة. 

حتى الطب يحمل قصصاً مشابهة. فقد أُخذت خلايا امرأة تدعى هنرييتا لاكس عام 1951 من دون علمها أو موافقتها، واستُخدمت لاحقاً لعقود طويلة في الأبحاث العلمية. هذه الخلايا، المعروفة باسم خلايا HeLa، ساهمت في أبحاث طبية كبرى وفي تطوير لقاحات ودراسات أنقذت ملايين البشر، بينما بقيت صاحبة الجسد وعائلتها خارج دائرة الاعتراف والقرار لفترة طويلة. هنا لا تُسرق فكرة فحسب، بل يتحول الإنسان نفسه إلى مادة خام داخل منظومة علمية واقتصادية ضخمة. إنجاز علمي عظيم، نعم، لكنه مبني أيضاً على صمت أخلاقي طويل.

الاستيلاء الثقافي والانتحال الأدبي: حين تتحول الهوية إلى غنيمة

  •  

لا تقتصر السرقة على اللوحات أو الاكتشافات العلمية، بل تمتد إلى الثقافات نفسها. يحدث الاستيلاء الثقافي عندما تُنتزع الرموز من سياقاتها الأصلية وتُعاد تعبئتها كسلع استهلاكية. القبعات المريشة الخاصة ببعض شعوب السكان الأصليين في أميركا الشمالية، على سبيل المثال، ليست مجرد زينة احتفالية، بل رموز روحية واجتماعية مرتبطة بالشجاعة والمكانة والطقوس. إلا أن عالم الموضة أعاد تقديمها أحياناً بوصفها إكسسوارات مثيرة فوق منصات العرض. 

المشكلة هنا ليست في التبادل الثقافي الطبيعي، بل في اختلال ميزان القوة. الثقافة المهيمنة تستولي على الرموز، تفرغها من معناها، ثم تبيعها للعالم باعتبارها ابتكاراً جديداً. هكذا يتحول المقدس إلى موضة موسمية، والتاريخ إلى ديكور فاخر.

ولعل من أكثر أمثلة الاستيلاء الثقافي إثارة للجدل ما يتعلق بالتراث الفلسطيني والعربي، حيث وُجهت انتقادات متكررة إلى محاولات تقديم عناصر من هذا التراث ضمن صورة "الثقافة الإسرائيلية" من دون الاعتراف الكافي بجذورها الفلسطينية والعربية. 

ليست السرقة دائماً فعلاً مادياً يبدأ بكسر قفل أو إخفاء لوحة أو انتزاع وثيقة. أحياناً تكون السرقة أعمق من ذلك بكثير: أن يُنتزع المعنى من أصحابه، وأن يُعاد تقديمه للعالم باسم آخر، وسلطة أخرى، وسوق أكثر قدرة على صناعة الشهرة. فالشيء المسروق لا يكون دائماً هو اللوحة أو الفكرة أو الرمز، بل الاعتراف الذي يمنحه التاريخ لمن يملك القدرة على الكلام باسمه.

لا يتعلق الأمر هنا بالأطعمة الشعبية مثل الحمص والفلافل فحسب، ولا بالأزياء التقليدية وحدها، بل بمحاولة أوسع لإعادة كتابة الذاكرة الثقافية للمنطقة نفسها. 

أما التطريز الفلسطيني، فهو ليس مجرد زخرفة جمالية، بل ممارسة اجتماعية وثقافية متجذرة في الذاكرة الفلسطينية، وقد أُدرج ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي لمنظمة "اليونيسكو".

فحين يُنتزع التطريز الفلسطيني من سياقه التاريخي ويُعرض كمنتج فولكلوري بلا جذور واضحة، لا تُسرق قطعة قماش فحسب، بل يُمحى تاريخ النساء اللواتي حوّلن الخيط إلى ذاكرة وهوية ومقاومة صامتة. وحين يُقدَّم طبق متجذر في المشرق العربي باعتباره اختراعاً قومياً حديثاً، يصبح المطبخ نفسه ساحة صراع سياسي.

  •  

وقد تصاعد الجدل في السنوات الأخيرة مع ظهور أمثلة متفرقة لاستخدام أثواب مطرزة مستوحاة من التراث الفلسطيني، أو توظيف أطباق عربية تقليدية في حملات دعائية وسياحية. 

هنا لا يعود "الإلهام الثقافي" تبادلاً طبيعياً بين الشعوب، بل يتحول، في نظر منتقديه، إلى محاولة "إسرائيل" احتلال الرموز بعد احتلال الأرض. الاستيلاء الثقافي، في هذا السياق، ليس مجرد قضية ذوق أو أزياء، بل امتداد رمزي لمعركة الهوية والذاكرة والشرعية التاريخية.

ويتكرر الأمر في الموسيقى أيضاً. فالكثير من موسيقى البلوز والجاز التي ولدت داخل المجتمعات الأفريقية في الولايات المتحدة، جرى تسويقها عالمياً عبر شركات وفنانين حصدوا الثروة والشهرة، بينما بقي كثير من المبدعين الأصليين على الهامش. حتى إلفيس بريسلي، الذي أصبح رمزاً عالمياً، استند في جزء كبير من أسلوبه إلى تقاليد موسيقية أفريقية أميركية سبقته بسنوات طويلة. ليست القضية هنا "سرقة" مباشرة بالمعنى القانوني، بل طريقة إعادة توزيع الاعتراف وفقاً لمن يمتلك الإعلام والسوق والصورة المقبولة اجتماعياً.

أخطر ما يمكن أن تخسره الحضارة ليس كنوزها المادية، بل ذاكرتها الأخلاقية. فحين يتحول التطريز إلى ديكور بلا جذور، والموسيقى إلى سلعة بلا أصحاب، والنصوص إلى مواد خام للخوارزميات، يصبح العالم أشبه بمتحف ضخم للأشياء المنهوبة: أشياء كثيرة معروضة بإتقان، لكن خلفها أسماء غائبة، وحكايات مبتورة، وأصحاب حقيقيون لم يُسمح لهم بأن يرووا قصتهم. 

أما في الأدب فقد يظهر السطو بوجه أكثر هدوءاً وخبثاً: الانتحال. الكاتب المنتحل لا يقتحم متحفاً ولا يحمل سلاحاً، بل يتسلل إلى نصوص الآخرين، يقتطع منها ما يشاء، ثم يقدمه بوصفه ثمرة موهبته الخاصة. 

هكذا واجه المؤرخ الأميركي، ستيفن أمبروز، اتهامات واسعة بعدما تبين أنه نقل فقرات من أعمال مؤرخين آخرين من دون توثيق مناسب.

لكن العصر الرقمي نقل المسألة إلى مستوى أكثر تعقيداً. لم تعد المخاوف تتعلق بنص واحد أو لوحة بعينها، لكن بالأسلوب والبصمة الإبداعية نفسها. 

وتُتهم بعض شركات الذكاء الاصطناعي التوليدي باستخدام ملايين النصوص والصور والأعمال الفنية في تدريب نماذجها، أحياناً من دون موافقة واضحة من أصحاب الحقوق أو تعويضهم. 

بهذا لا يُسلب الفنان أو الكاتب عملاً محدداً فقط، بل تُختزل بصمته الإبداعية إلى بيانات داخل آلة ضخمة. الحضارة التي بدأت بسرقة الذهب باتت تواجه اليوم سؤالاً جديداً حول سرقة الخيال نفسه. هذا التقدم التقني المذهل يجر وراءه سؤالاً أخلاقياً وقانونياً هائلاً: ماذا يبقى من الإبداع حين يصبح قابلاً للاستنساخ بلا نهاية؟

العالم بوصفه متحفاً

  •  

تتبدل أشكال السطو عبر الزمن، لكن بنيتها العميقة تبقى واحدة. هناك دائماً من ينتزع المعنى من أصحابه، ثم يعيد تقديمه بوصفه إنجازاً شخصياً أو سلعة قابلة للبيع. اللوحات تُسرق، والأفكار تُنسب لغير أصحابها، والثقافات تُفرّغ من روحها، والنصوص تُعاد صياغتها بأسماء جديدة. وفي كل مرة، لا يكون المسروق الحقيقي هو الشيء ذاته، بل الاعتراف المرتبط به.

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تخسره الحضارة ليس الكنوز المادية، بل ذاكرتها الأخلاقية. فحين يُمحى اسم العالِم الحقيقي، أو تتحول الرموز المقدسة إلى موضة عابرة، أو يصبح الإبداع مجرد مادة خام للخوارزميات، يبدأ العالم بالتشابه مع متحف ضخم للأشياء المنهوبة: نسخ كثيرة، أصول غائبة، وحكايات مبتورة.

"الموناليزا" عادت إلى متحف اللوفر بعد عامين من سرقتها. لكن كم من الأسماء المسروقة لن تعود؟ كم من الثقافات المنهوبة لن تُستعاد؟ كم من القصص المطموسة لن تُروى؟ السرقة مستمرة، المتاحف ممتلئة، والتاريخ، كالعادة، يكتبه من يملك المفاتيح.

المصادر

- Percec, V., & Xiao, Q. (2021). The legacy of Rosalind E. Franklin: Landmark contributions to two Nobel Prizes. Chem, 7(8), 1970-1975.

- Bicskei, M. (2011). Book Review: James O. Young: Cultural appropriation and the arts. Journal of Cultural Economics, 35(3), 233-236.

- Goetze, T. S. (2024). AI Art is Theft: Labour, Extraction, and Exploitation. Working Paper, Cornell University.

سلوى دبوق

سلوى دبوق

كاتبة من لبنان