إنّي مسيحيٌّ أحبُّ محمّدًا!

اثنين, 05/18/2026 - 05:15

 

يحكي الأديب والناقد اللبناني مارون عبود، أن ابنه مرض يوما بداء “هزّة الحيط” (نوبة حُمَّويّة) حتى يئس الأطباء منه وتوقعوا موته، وكان قد سمي ابنه محمدا في خطوة شجاعة ومتقدمة منه، يقول: “استعملتُ مع النبيّ الكريم فظاظة الأعراب وقلت له: ألا تستطيع أن تحمي واحدا من 500 مليون سمّيناه باسمك تبرّكاً وتيمّناً” ثم يضيف معلقا بأسلوبه الساخر “فكأنما صلى الله عليه وسلم استجاب دعائي واكترث لقضية سَمِيّه الدقيقة، فشُفي. ومن بعد “هزّة الحيط” صارت لَبْطَته تهدّ الحيط”.

واجه مارون عبود كثيرا من العقول المتحجرة والنفوس الطائفية، التي استهجنت أن يسمي مسيحيٌّ ابنه باسم نبي الإسلام، وإن كان قد لقي تأييدا من آخرين على رأسهم الأديب أمين الريحاني، كما سجل ذلك مارون بنفسه حين كتب “رزقت ولداً فسمّيته محمداً، فقامت قيامة الناس، فريق يستهجن ويقبّح ويكفّر، وفريق يوالي وينتصر، وكان أوّل من قدّر هذا العمل وأعجب به أشدّ الإعجاب، صديقي المرحوم أمين الريحاني” كما كتب مارون عبود قصيدة طالب فيها ابنه حين يكبر أن يفخر بصنيع والده جاء فيها: (يا بُنيَّ اعْتزَّ باسمٍ خالدٍ.. وتذكّرْ إنْ تعشْ أوفى أبِ/ جاء ما لم يأتِه من قبلِه.. عيسويٌّ في خوالي الحقبِ)، ومدح فيها النبيّ محمد كمديح المسلمين المؤمنين برسالته (النبيُّ القرشيُّ المصطفى.. آيةُ الشّرقِ وفخرُ العربِ).

 قفزت إلى الذاكرة حكاية مارون عبود وابنه محمد، وأنا أقرأ مجموعا شعريا مميزا، فيه ثمان وتسعون قصيدة لواحد وستين شاعرا، جميعهم مسيحيون يمدحون نبي الإسلام، جمعت القصائد وقدّمت لها الشاعرة والباحثة اللبنانية والمسيحية أيضا فيكتوريا سلموني نصراني في كتاب بعنوان “أهديك السلام.. محمد (ص) في عيون الشعراء العرب المسيحيين” وصدر الكتاب في طبعة أنيقة ملونة ومزيّنة برسوم الشعراء عن دار المحيط في الفجيرة. ويعود عهدي بالكتاب إلى زمن صدوره قبل سنتين حين كنت أنجز كتابي “مادحات الرسول.. 100 قصيدة لـ100 شاعرة في المديح النبوي”، فمن كتاب “أهديك السلام” أخذت قصيدتين لشاعرتين إحداهما لفيكتوريا سلموني مؤلفة الكتاب. وللحقيقة هذا الكتاب ليس أول مصنَّف جمع بين دفتيه قصائد المسيحيين في مدح النبي، فقد سبقته عدة مجاميع ذكرتْ بعضها المؤلفة في مقدمة كتابها منها: كتاب “الإسلام في شعر المسيحيّين” لفارس يواكيم، وهو لم يقتصر على القصائد الّتي قيلت في النبيّ، بل ما قيل في الإسلام عموما من شعر كما هو واضح من عنوانه، وكتاب “محمد والمسيحيون العرب” لمحمد ياسين، ضم الفصل العاشر منه 57 قصيدة لـ57 شاعرا غير أن بعض القصائد ليست في المديح النبوي، بل في قضايا تتعلق بالإسلام عموما.

أما أوسع مجموعة من قصائد المسيحيين في مدح الرسول فضمها كتاب “شعراء النصارى العرب والإسلام – نصوص شعريّة”، إعداد ماجد الحكواتي، الذي أصدرته مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري، فرغم شمولية موضوعه بكل ما يختصّ بالشّعر الذي نظمه المسيحيّون عن الإسلام، غير أنّه جمع 59 قصيدة في المديح النبوي فقط. وتأتي قيمة هذه الكتب إجمالا، خاصة كتاب “أهديك السلام” باعتباره أوسعها وأشملها، من أنها ترينا وجها لبلاد الشام بالتحديد أصبحنا نفتقده، فما جرى في السنوات الأخيرة من مذابح طائفية باسم الدين في العراق وسوريا، واستهداف للوجود المسيحي المشرقي، وما نشهده اليوم من عداء طائفي يتزايد في لبنان، الذي كان نموذجا للعيش المشترك والاعتزاز بثماني عشرة طائفة تعيش في بقعة صغيرة واحدة، يجعل من كتب على هذه الشاكلة ضرورة لتذكير الجيل الحالي “الذي يتعرّض لكلّ أنواع التّضليل والتّلاعب بالعقول، كيف كان يفكّر آباؤه الأقربونَ وبعضُهم لا يزال على قيد الحياة”، ويعرّفه أن آباءه كان منهم “شعراء مسيحيّون متمسّكون بدينهم معتدّون به، ولكنّهم شاركوا المسلمين في محبة نبيّهم، ورأوا فيه الجانبَ الإنسانيَّ الجامعَ” كما ذكرت الكاتبة في مقدمتها.

بنظرة خاطفة على الشعراء المسيحيين الذين كتبوا في المديح النبوي نجد أسماء وازنة لها ثقلها في خريطة الشعر العربي مثل شاعر القطرين خليل مطران، وله قصيدتان في الهجرة النبوية لا واحدة، وشعراء مهجريين مشاهير مثل جورج صيدح والشاعر القروي وزكي قنصل، وهناك شعراء لم أكن أعرف أصلا أنهم مسيحيون، رغم أنني قرأت لهم في النقد أو الشعر مثل الشاعر والناقد الفلسطيني جميل علوش، ومواطنه الشاعر كمال ناصر. ولم تقتصر مروحة مادحي النبي من الشعراء النصارى على شعراء بلاد الشام فقط سوريا ولبنان وفلسطين، إذ نعثر على قصيدة لشاعر مصري قبطي يسمى بطرس عوض كتبها في مولد النبي، وأخرى لشاعر سوداني متمكن من الشعر الكلاسيكي يدعى عزيز منصور التوم نقتطف منها (يا نبي الإسلام ليس بخاف… لك حب أصونه لك عندي/ ومحبوك قد أحبوا لوعد… وبطوعي أخلصت من غير وعد)، وقد سعدت حين وجدت قصيدة مطولة للشاعر نقولا حنا والد الصديقة كاتبة السيناريو ريم حنا وأخيها المخرج رامي حنا.

وكم كنت أتمنى لو وسعت صاحبة الكتاب مقدمتها وحولتها إلى دراسة في مضامين وخصائص شعر المسيحيين في مديح نبي الإسلام، وحتى في دوافعهم فهناك من الشعراء من لم يكتف بقصيدة واحدة، بل كتب ملحمة كاملة في المديح النبوي مثل الشاعر جورج شكور وهناك شاعر هو عبد المسيح الأنطاكي كتبَ تاريخا شعريّا لصدر الإسلام في قرابة ستّة آلاف بيت، ولم يكن ذلك رغبة أو رهبة، بل كان تعبيرا صادقا عن إعجابهم بمبادئ رسالة الإسلام، فبحثوا عن قواسم مشتركة عوض التركيز على ما يفرق، ومن هذه المشتركات: العروبة فالنبي محمد عربي وهم عرب وقد كثر دوران هذا اللفظ ومشتقاته في شعرهم مثل ما جاء عند المطران بولس الخوري: (حيِّ الرَّسولَ الَّذِي قدْ عَزَّزَ العَرَبَا… ومجدهُ في الورى قدْ جاوزَ القُطُبَا) أو عند الشاعر جاك شماس: (أنا يا محمد من سلالة يعرب… أهواك دين محبة وتفان). ومن المشتركات أيضا المبادئ السماوية فلا فرق عند هؤلاء الشعراء بين مسيحية وإسلام ما دام الدينان يدعوان لفكرة واحدة، يقول حليم دموس: (وألمس في القرآن عيسى ابن مريم… وألمح في الإنجيل روح محمد/ وأقسم لو يدري الورى كنه دينهم… لما فرقوا ما بين عيسى وأحمد). ومثله ما ذهب إليه ابن زحلة الشاعر رياض المعلوف حين قال: (يا نبي الأعراب لا ليس فرق… بين دين المسيح أو دين أحمدْ/ بين إنجيلنا وبين كتاب… كم صلاة بها القلوب توحّدْ).

اللافت أن هؤلاء الشعراء المسيحيين كانوا معتزين بدينهم فيذكرون في شعرهم أنهم ينتمون لدين آخر، وينبهون إلى ذلك، فليس دافع مدحهم اقتناعهم بدين الإسلام وإلا لاعتنقوه كما فعل الشاعران إلياس طعمة (أبو الفضل الوليد) وحبيب غطاس، بل الدافع إعجابهم بشخصية النبي وبالمبادئ التي نشرها، ومن هذا الإعلان المتكرر على ديانة الشاعر ما نجده مثلا في قول عبد الله يوركي حلاق: (إني مسيحي أجلُّ محمدا… وأراه في سفر العلا عنوانا) وفي قول ميشال مغربي: (أنا نصراني أمّ وأب.. وصراطي للسماوات ثبات).

تبقى ملاحظتان لفتتا نظري أولاهما أن بعض الشعراء المسيحيين اقتدوا بطريقة الشعراء المسلمين في مدح نبيهم فنجد من النصارى من سار على تقليد معارضة قصيدة البردة للبوصيري كما فعل الشاعر ميخائيل خليل الله ويردي في قصيدته “وحي البردة” ومطلعها (أَنْوَارُ هَادِي الْوَرَى فِي كَعْبَةِ الْحَرَمِ… فَاضَتْ عَلَى ذِكْرِ جِيرَانٍ بِذِي سَلَمِ) ومثله الشاعر قسطاكي الحمصي في قصيدته “البردة العربية” ومطلعها (باللهِ يا جِيرةَ البطحاءِ والعلَمِ… عُودُوا خشوعا وحَيُّوا ساكِنَ الحَرَمِ) وفي هذا دليل على تجاوز التأثّر بالمداحين المسلمين حدّ المضامين، وصولا إلى الشكل. أما الملاحظة الثانية فمديح الرسول لم يقتصر على الشعراء المسيحيين الرجال فقط، بل نجد شاعرتان مسيحيتان كتبتا قصائد في النبي هما، سيلفا حنا وفيكتوريا سلموني صاحبة الكتاب، وقد استمدت الأخيرة عنوان كتابها من قصيدتها حين قالت في بيتها الأخير: (لَكَ مِنْ قَلْبِي احْتِرَامٌ صَادِقٌ… كُلَّمَا تُذْكَرُ يُهْدِيكَ السَّلَاما).

كم من المفيد أن يطّلع شباب اليوم عامة والمسيحيون منهم بخاصة، على نظرة آبائهم إلى نبيٍّ من غير دينهم، عسى أن يخرجوا من عباءة الطائفية المقيتة ويروا أن الآخر مثلهم إنسان، لا يختلف عنهم في شيء، ويقتنعون بما كتب جبران خليل جبران يوما «أنا مسيحي ولي فخر بذلك ولكنني أهوى النبيّ العربي وأُكبِرُ اسمه.

بروين حبيب

شاعرة وإعلامية من البحرين