د. محمدُّ أحظانا
توضيح حول الإسهاب والحسانية.
قرأت تدوينة تتحدث عن الإسهاب في الحسانية للمدون الكريم الحسين علو، وضرب منها أمثلة متعددة وطلب المزيد.
وهذه مناسبة ملائمة لتوضيح خفايا هذه الظاهرة في اللهجة الحسانية وأمها العربية للمختصين وغير المختصين:
أولا: في الحسانية يقولون: كد احص التراب. ولا حصا إلا من التراب. و يخزرن ابعينيه، ولا خزر إلا بالعين.
إن هذه الظاهرة شائعة في اللغات، وفي العربية التي تعد الحسانية لهجة من لهجاتها.
رأيته بعيني، ولا رؤية إلا بالعين. وسمعته بأذني، ولا سماع إلا بالأذن، وخاطبني بلسانه، ولا خطاب إلا باللسان
هذا لا بعد حشوا وإنما يوجد في اللغات من باب التبيين والتأكيد والتوضيح، و قصد المعنى الحقيقي..
وأمثلة ذلك لا تعد، وتاج ذلك في القرآن: (فإنها لا تعمى الأبصار): ولا عمى إلا للأبصار. يقال: وتدبر بعقله، ولا تدبر إلا بالعقل، وأغمضت عيني ولا إغماض إلا للعين..وقرأت المكتوب، ولا قراءة إلا لمكتوب، وسمعت ثغاء الغنم، ولا ثغاء إلا للغنم،. ورغاء الإبل، ولا رغاء إلا للبعير، وخوار البقر، ولا خوار إلا البقر..
ولأن الأمر يستدعي تأصيلا للتمييز بين التبيين البلاغي والإسهاب، أريد أن أنبه إلى مسألة في غاية الأهمية، وإن كانت غير مطروقة في زاوية منها:
أولا: في اللغة العربية والحسانية مثلها في ذلك: ما يسمى: الحقيقة والمجاز. فالحقيقة هي إرادة المعنى الذي يدل دلالة حقيقةٍ على الشيء كقولنا: شمس لذات الشمس، وقولنا رحل لذات الرجل، وشجرة لدات الشجرة.
أما المحاز فمادته لفظ الحقيقة لكن سباقه التركيبي يورد قرينة مانعة لقصد الحقيقة. فنقول مثلا: خالد سيف الله، فقرينة الاسم منعت قصد السيف على حقيقته.
ثانيا: ثمة وجه مقابل لم يتفطن له الكثيرون من دارسي البلاغة وهو أن كثافة المجاز في اللغة العربية، وكذا الحسانية، طورت آلية مقابلة لحماية ألفاظ الحقبقة من طغيان المجاز.. وذلك بقرينة مانعة لقصد المجاز. هذا الأمر الذقيق هو ما أرى أنه سبب في توضيح، أو تأكيد القصد لألفاظ الحقيقة وسنعود لتأكيد ذلك فيما يمكن أن نسميه: حماية دلالة اللفظ على الحقيقة من سلطان المجاز بقرينة مانعة لقصد المجاز. مثلا: إذا قلت مثلا: أنت تمرة نخل لقصد المد مجازيا، فهي تختلف عن معنى: هلال الشهر: فالمقصود حقيقي لذات الهلال. إذ لا هلال إلا لشهر.. ونحن هنا نمنع الفهم من قصد المجاز الذي يكون عندما نقول: كن هلالا، ولا تكن بدرا. فليس المقصود الهلال هنا على الحقيقة، ولا البدر على حقيقته لأن قرينتك -أنت المعني- تمنع قصد الحقيقة من وراء نفس الألفاظ التي يمكن أن تجعلها مجازية الدلالة في سياق آخر.
فلفظ الحقيقة يدفع عن نفسه المجاز بقرينة منع المجاز، ونسق المجاز يمنع قصد الخقيقة بالقرينة المانعة له. وهكذا يحمي كل حقل من الحقلين مجاله الدلالي بهذا الدفع العجيب.، فاقتضى التوضيح.
أما الإسهاب فهو أمر آخر، ويكون بالإفاضة غير المطلوبة، والتكرار، والعود إلى المعنى الجلي من جهات مختلفة بما لا يضيف معنى جديدا ولا إفهاما، ولا تفصيلا، كما يكون بالاستطراد في غير محله..
إنني أرجو أن تفهموا أن للحسانية بنية عربية وإن كان بينها تداخل صرفي مع الصنهاجية، وربما لفظي، وذاك موضوع آخر. قد نعالجه في المستقبل.










