
نظم النادي الثقافي العربي في الشارقة، أمس السبت، محاضرة علمية بعنوان “الرسم القرآني وخطوط المصاحف”، ألقاها الدكتور محمد الأمين شريف سيد الهادي السملالي، وأدارها الخطاط خليفة الشيمي، مسؤول الفنون والمعارض في النادي، بحضور الدكتور عمر عبد العزيز رئيس مجلس إدارة النادي، إلى جانب نخبة من المثقفين والمهتمين بالدراسات القرآنية والفنون الإسلامية.
وفي تقديمه للمحاضرة، أشار الشيمي إلى أن الدكتور محمد الأمين السملالي يشغل منصب سكرتير تحرير مطبوعات في دائرة الثقافة، وهو باحث وخبير لغوي متخصص في الدراسات القرآنية، وعضو في عدد من اللجان والمؤتمرات العلمية ذات الصلة بالقرآن الكريم واللغة العربية، كما حاز عدة جوائز تقديرية في مجاله.
القرآن بين الحفظ الشفهي والتدوين الكتابي
استهل الدكتور السملالي محاضرته بتوطئة تاريخية حول كتابة القرآن الكريم، مؤكداً أن الأصل في تلقي القرآن منذ نزوله على النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو الحفظ في الصدور، حيث تناقله الصحابة جيلاً بعد جيل عن رسول الله، وظل محفوظاً في الذاكرة الجمعية للأمة عبر القراء والحفاظ.
وأوضح أن الكتابة جاءت في المقام الأول بوصفها وسيلة مساعدة على الحفظ وضبط النص، وليست بديلاً عنه، إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم كلما نزل عليه الوحي يتلوه على الصحابة، فيحفظونه مباشرة، كما كان هناك كتّاب للوحي يقومون بتدوين الآيات والسور أولاً بأول، مع بيان مواضعها وترتيبها.
جمع القرآن في عهد الخلفاء الراشدين
وتناول السملالي بعد ذلك مرحلة جمع القرآن الكريم، موضحاً أنه عقب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، كانت صحف القرآن متفرقة بين الصحابة، الأمر الذي دفع الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى جمعه في مصحف واحد، بعد أن كلف الصحابي زيد بن ثابت بهذه المهمة، فتم جمعه في مصحف محفوظ لدى أبي بكر، ثم انتقل بعد وفاته إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومن بعده إلى أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنها.
وأشار إلى أنه مع اتساع رقعة الدولة الإسلامية وظهور اختلافات في القراءات بين الأمصار، رأى الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه ضرورة توحيد المصحف، فشكل لجنة من كبار القراء والكتّاب، استعانت بمصحف حفصة، وقامت بجمع الروايات المختلفة ومقارنتها، ثم توحيدها في رسم واحد عُرف لاحقاً بـ”المصحف العثماني”.
وأضاف أن عثمان رضي الله عنه أمر بإتلاف ما سواه من الصحف، منعاً للاختلاف، ثم أرسل نسخاً من المصحف الموحد إلى الأمصار الإسلامية، لتكون المرجع المعتمد في التلاوة والكتابة، وهي النسخ التي أصبحت لاحقاً الأصول التي استنسخت منها المصاحف عبر العصور.
الرسم القرآني وثلاثية الجلال والكمال والجمال
وانتقل الدكتور السملالي إلى محور المحاضرة الأساسي، وهو تطور الرسم القرآني، موضحاً أن مصطلح “الرسم” في هذا السياق يعني “الكتابة”، وأن كتابة القرآن مرت بمراحل تاريخية متعددة، حكمتها ثلاثية أساسية وصفها بـ**“الجلال والكمال والجمال”**.
أولاً: الجلال
وأوضح أن “الجلال” يرتبط بالهيبة والقداسة التي تحيط بالنص القرآني، حيث انعكس ذلك في التزام المسلمين الصارم بما عُرف لاحقاً بـ”الرسم العثماني”، وهو الشكل الكتابي الذي استقر عليه المصحف منذ عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه.
وأكد أن هذا الرسم اكتسب صفة القداسة التاريخية، بحيث لم يُسمح بتغييره رغم اختلافه عن بعض قواعد الإملاء العربي اللاحقة، مشيراً إلى أن أي تعديلات لاحقة في المصاحف لم تمس بنية الرسم، وإنما اقتصرت على عناصر مساعدة مثل النقط والتشكيل.
ومن مظاهر الجلال أيضاً أن المصاحف الأولى كُتبت بالخط الكوفي، وهو خط يتميز بالفخامة وامتداد الحروف وزواياها الحادة، مع تقليل عدد الأسطر في الصفحة الواحدة، بما يعكس تعظيم النص القرآني وإبراز جلاله.
ثانياً: الكمال
أما “الكمال”، فيرتبط – بحسب السملالي – بتحقيق الدقة والوضوح في تمثيل النص القرآني المقروء، وضمان سلامة النطق والمعنى.
وأشار إلى أن المصحف العثماني في بداياته كان خالياً من النقط والتشكيل، مما دفع العلماء لاحقاً إلى إضافة النقط للتمييز بين الحروف المتشابهة، والتشكيل لضبط النطق الصحيح للكلمات، بما يحقق الفهم الدقيق للنص.
كما أضيفت عناصر تنظيمية أخرى مثل عدّ الآي، وأسماء السور، وعلامات الوقف، وكلها جاءت في إطار تعزيز كمال النص وضبط قراءته دون المساس بأصله.
ثالثاً: الجمال
وفي ما يتعلق بـ”الجمال”، أوضح الدكتور السملالي أن كتابة المصحف شهدت تحولاً فنياً تدريجياً من الخطوط اليابسة إلى الخطوط اللينة، في مسار يعكس تطور الحس الجمالي في الخط العربي.
فقد بدأ تدوين المصحف بالخط الحجازي الذي تطور لاحقاً إلى الخط الكوفي، وهو خط يتسم بالصرامة الهندسية والزوايا الحادة، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى خطوط أكثر ليونة وانسيابية.
وأشار إلى ظهور الخط “المحقق” في مرحلة وسيطة، والذي جمع بين الوضوح والجمال، قبل أن يستقر المصحف في العصور المتأخرة على خط النسخ، الذي يُعد من أجمل الخطوط العربية وأكثرها وضوحاً، لما يتميز به من تناسق الحروف وانسيابية التكوين.
ولم يقتصر الجمال على الخط فقط، بل امتد إلى الزخرفة والتذهيب، حيث أبدع المسلمون في تزيين المصاحف، خصوصاً في صفحات الفاتحة وبداية سورة البقرة، وأسماء السور، في مشاهد فنية تعكس التقاء الجلال الروحي بالجمال البصري.
وختم الدكتور السملالي محاضرته بالتأكيد على أن تطور الرسم القرآني لم يكن مجرد تطور شكلي في الكتابة، بل هو مسار حضاري متكامل جمع بين حفظ النص القرآني وصيانته، وبين تطوير أدوات كتابته بما يضمن الدقة والجمال والهيبة، ضمن منظومة فريدة تجسّد العلاقة العميقة بين الوحي واللغة والفن في الحضارة الإسلامية.










