إعلان

محمد العربي الزبيري.. القلم الذي صان ذاكرة الجزائر

أربعاء, 10/07/2026 - 10:06
مؤرخ الجزائر بذاكرة القلم

مؤرخ ومثقف جزائري جعل من كتابة التاريخ والدفاع عن الذاكرة والهوية مشروعًا وطنيًا عابرًا للأجيال.

 

مؤرخ ومثقف جزائري جعل من كتابة التاريخ والدفاع عن الذاكرة والهوية مشروعًا وطنيًا عابرًا للأجيال.

 

 

لا تغيب الشخصيات التي جعلت من الثقافة فعلًا وطنيًا برحيل أصحابها، إذ تتحول سيرتها إلى جزء من الذاكرة الجماعية. وفي تجربة محمد العربي الزبيري، يتقاطع التاريخ مع النضال، والبحث مع الدفاع عن الهوية، ليترك المؤرخ والمثقف الجزائري إرثًا يتجاوز الكتب إلى أسئلة الذاكرة والمعرفة ودور المثقف في خدمة وطنه.

رحل الدكتور محمد العربي الزبيري، لكن رحيله لم يكن نهاية لمسيرة رجل عابر في الحياة الثقافية والوطنية الجزائرية، بل كان غيابًا جسديًا لشخصية تركت وراءها أثرًا فكريًا وثقافيًا وإنسانيًا سيظل حاضرًا في الذاكرة. فقد كان الزبيري مؤرخًا وباحثًا ومثقفًا وأديبًا، جمع في مسيرته بين التجربة النضالية المبكرة، والعمل السياسي، والبحث التاريخي، والتدريس الجامعي، والترجمة، والعمل الثقافي، والدفاع عن المثقفين والكتاب.

لقد كان من ذلك الجيل الذي لم يتعامل مع التاريخ بوصفه مادة أكاديمية جامدة، وإنما رآه مسؤولية وطنية وأخلاقية، واعتبر أن كتابة تاريخ الجزائر واستعادة ذاكرتها جزء من معركة الاستقلال الثقافي، بعد أن تحقق الاستقلال السياسي. ومن هنا جاءت عنايته الكبيرة بتاريخ المقاومة والثورة والحركة الوطنية، وحرصه على أن تكون للجزائريين قراءة نابعة من تجربتهم الوطنية، بعيدة عن الرؤية الاستعمارية التي حاولت طيلة عقود أن تفرض مفاهيمها ومصطلحاتها وقراءتها على تاريخ البلاد.

طفولة الثورة وبدايات النضال

وُلد الدكتور محمد العربي الزبيري في 18 أبريل 1941 ببلدة سيدي عقبة التابعة لولاية بسكرة، وهي منطقة ذات دلالة تاريخية عميقة، ارتبط اسمها بتاريخ الفتح الإسلامي في الجزائر، وبالقائد عقبة بن نافع الذي دفن فيها، فغدت البلدة فضاءً تتقاطع فيه الذاكرة الدينية والتاريخية والوطنية.

نشأ الزبيري في أسرة محافظة، وتلقى تعليمه الأول في الكتّاب، حيث حفظ القرآن الكريم، ثم انتقل إلى المدارس الفرنسية. وكان هذا المسار التعليمي يعكس واقع الجزائر في الحقبة الاستعمارية، حيث كان الطفل الجزائري يعيش في فضاء تعليمي وثقافي مزدوج، بين جذوره العربية والإسلامية من جهة، والنظام التعليمي الذي فرضته الإدارة الاستعمارية من جهة أخرى.

وفي طفولته، كان الذهاب إلى المدرسة الفرنسية يحمل بالنسبة إليه معنى يتجاوز مجرد الدراسة؛ "فقد كان الطفل يجد فيها أيضًا وجبة الغذاء التي كانت توفر للطلاب. وهي تفصيله صغيرة في ظاهرها، لكنها تكشف عمق الظروف الاجتماعية الصعبة التي عاشها الجزائريون في تلك المرحلة، كما تكشف عن براءة الطفولة وتلقائيتها قبل أن يبدأ الوعي السياسي والوطني في التشكّل."

الزبيري أولى أهمية كبيرة للدقة في النصوص التاريخية لذا اهتم بمراجعة بعض النصوص المركزية في تاريخ الثورة

ومع مرور السنوات، بدأ وعيه يتفتح على حقيقة الاحتلال وأبعاده، وعلى أثر الاستعمار في الهوية الوطنية والثقافة واللغة. وانتقلت أسرته إلى مدينة سكيكدة في شرق الجزائر، حيث واصل تعليمه في الفترة الصباحية، بينما كان يتلقى في المساء دروسًا منتظمة في اللغة العربية بمبادرة من حزب الشعب الجزائري. وكان لهذا التعليم المزدوج أثر مهم في تكوين شخصيته؛ إذ أتاح له الاطلاع على الثقافة الفرنسية من جهة، والتشبث باللغة العربية والهوية الوطنية من جهة أخرى.وهكذا بدأ يتشكل لدى الزبيري وعي مبكر بأن قضية الجزائر ليست قضية أرض محتلة فحسب، وإنما هي أيضًا قضية إنسان وذاكرة ولغة وثقافة وهوية.

حين اندلعت الثورة التحريرية في الأول من نوفمبر 1954، دخلت حياة محمد العربي الزبيري مرحلة جديدة. فقد عادت أسرته إلى مسقط رأسه، وكانت المنطقة مرتبطة بالمقاومة وبعدد من المجاهدين الذين ينتمون إلى عائلته. وفي ذلك المناخ الثوري، لم يبق الزبيري مجرد متابع لما يحدث من حوله، وإنما وجد نفسه قريبًا من الأحداث ومشاركًا فيها رغم صغر سنه.

كان يرصد تحركات الجيش الفرنسي، "ويرافق خاله في بعض المهمات المرتبطة بالحركة الثورية، الأمر الذي جعله يعيش تجربة النضال في سن مبكرة." ولم تكن الثورة التحريرية بالنسبة إليه حدثًا يقرأ عنه في الكتب، بل تجربة معيشة تشكلت أمام عينيه وفي محيط أسرته وبلدته.

ثم انضم رسميًا إلى صفوف جيش التحرير الوطني، وتنقل في جبهات مختلفة، من "الداخل الجزائري إلى تونس ثم ليبيا. وقد أتاحت له هذه التجربة المبكرة أن يتعرف إلى واقع الثورة من أكثر من زاوية"، وأن يلمس التباينات بين أوضاع المجاهدين في الداخل، حيث كان نقص السلاح والعتاد والمؤونة حاضرًا بقوة، "وبين ظروف العمل في الخارج، حيث كانت تتوفر إمكانات ودعم وموارد أكثر".

لقد تركت تلك التجربة أثرًا عميقًا في شخصية الزبيري وفي نظرته إلى التاريخ. ولذلك لم يكن غريبًا أن يتحول، بعد الاستقلال، إلى واحد من المهتمين بتوثيق تاريخ الثورة والمقاومة والحركة الوطنية. فالذي عاش جزءًا من تلك الأحداث لم يكن ينظر إليها بوصفها وقائع بعيدة، وإنما بوصفها ذاكرة شخصية وجماعية، ومسؤولية ينبغي الحفاظ عليها للأجيال القادمة.

العودة إلى الجزائر والبداية السياسية

مع استقلال الجزائر، انخرط محمد العربي الزبيري في جبهة التحرير الوطني، وبدأ مرحلة جديدة من حياته ارتبطت بالعمل السياسي وبمحاولة الإسهام في بناء الدولة الجزائرية المستقلة. وفي هذه المرحلة، "تأثر بالقائد محمد خيضر، الذي كان يمثل بالنسبة إليه نموذجًا سياسيًا وفكريًا يرتبط بقضايا التنظيم وبناء الدولة ووضع البرامج والتصورات السياسية". وعمل الزبيري في ديوان الحزب، وتلقى توجيهات مباشرة من خيضر، وهو ما كان له أثر في مساره اللاحق، خصوصًا في ارتباطه بالتعليم والبحث والاهتمام بالشأن الوطني.

غير أن مرحلة ما بعد الاستقلال لم تكن خالية من الصراعات. فقد شهد الزبيري عن قرب الخلافات الداخلية التي عرفتها جبهة التحرير الوطني، والصراع حول طبيعة الدولة الجديدة وآليات إدارة السلطة. ومع مرور الوقت، اتجه الزبيري بصورة أكبر نحو التعليم والثقافة والتاريخ، وكأن انتقاله من العمل السياسي المباشر إلى المجال الفكري لم يكن ابتعادًا عن الشأن الوطني، بل انتقالًا إلى شكل آخر من أشكال خدمته.

التعليم والتأريخ: بناء الذاكرة الوطنية

كان التعليم العالي بالنسبة إلى الدكتور الزبيري أكثر من وظيفة أكاديمية؛ فقد اعتبره مجالًا أساسيًا لبناء الوعي الوطني واستعادة المعرفة التاريخية باللغة العربية.ومن أبرز ما ارتبط باسمه مساهمته في تأسيس قسم التاريخ باللغة العربية في جامعة الجزائر، في سياق كان فيه تعريب المعرفة التاريخية يمثل "قضية ثقافية ووطنية بالغة الأهمية. فقد كان يرى أن استقلال الجزائر السياسي ينبغي أن يواكبه استقلال معرفي، وأن الجامعة الجزائرية مطالبة بإنتاج معرفة تنطلق من تاريخ المجتمع الجزائري وثقافته وتجربته".

حصل الزبيري على شهادة الدكتوراه الأولى سنة 1972، وكان من أوائل الذين نالوا هذه الدرجة في علم التاريخ بجامعة الجزائر، تحت إشراف وتوجيه عدد من الأساتذة الكبار، ومن بينهم الدكتور أبو القاسم سعد الله. ثم استكمل دراسته في فلسفة التاريخ بجامعة بغداد، حيث نال الدكتوراه سنة 1994.

وقد ساهم هذا التكوين الأكاديمي في تعميق اهتمامه بمناهج كتابة التاريخ، وبالعلاقة بين المؤرخ والوثيقة، وبين الذاكرة الوطنية والتحليل العلمي. ولذلك جاءت أعماله التاريخية مرتبطة بقضايا الثورة والمقاومة والحركة الوطنية، وبالشخصيات التي أسهمت في صناعة التاريخ الجزائري.

الإنتاج الفكري والمعرفي

 

ترك الدكتور محمد العربي الزبيري إنتاجًا معرفيًا واسعًا، تجاوز خمسة وعشرين كتابًا تناولت التاريخ الوطني الجزائري من زوايا متعددة. فكتب عن الثورة الجزائرية في عامها الأول والثاني، وتناول أيديولوجية الثورة الجزائرية، كما بحث في علاقة المثقفين الجزائريين بالثورة. ولم يكن اهتمامه مقتصرًا على الجانب العسكري والسياسي، وإنما حاول أن يربط بين الثورة والفكر والثقافة والتحولات الاجتماعية.

كما اهتم بتاريخ المقاومة المسلحة، ومن بين أعماله ما تناول الكفاح المسلح في عهد الحاج أحمد باي، ومقاومة الحاج أحمد باي واستمرارية الدولة الجزائرية. وكان اهتمامه بهذه الشخصيات جزءًا من مشروع أوسع يرمي إلى إعادة قراءة التاريخ الجزائري واستحضار حلقاته المختلفة، وعدم اختزال المقاومة الجزائرية في مرحلة واحدة أو في أحداث محددة.

وفي مرحلة ما بعد الاستقلال، انشغل كذلك بمسألة الغزو الثقافي وتحديات الهوية الوطنية. وكان يرى أن الاستعمار يمكن أن يستمر بأشكال غير مباشرة بعد انتهاء الاحتلال العسكري، إذا بقيت منظومات التفكير والمفاهيم والرؤى الثقافية خاضعة للمرجعيات التي فرضها المستعمر.ومن هنا يمكن فهم إصراره على أن معركة التاريخ ليست منفصلة عن معركة الهوية.

الترجمة جسرًا بين الثقافات

إلى جانب التأليف والبحث التاريخي، أولى الدكتور الزبيري الترجمة اهتمامًا خاصًا. وكان ينظر إليها باعتبارها وسيلة لنقل المعرفة وإتاحة المصادر والكتب أمام القارئ العربي.ومن الأعمال التي ارتبطت بجهوده ترجمة كتاب «المرآة» لحمدان بن عثمان خوجة، وهو عمل نال جائزة في الترجمة، إلى جانب ترجمة مذكرات أحمد باي والرايس حميدو وغيرها من المؤلفات.

ولم تكن الترجمة بالنسبة إليه مجرد نقل لغوي من الفرنسية إلى العربية، وإنما كانت فعلًا ثقافيًا ساهم في استعادة التراث الجزائري وإدخاله في دائرة القراءة العربية. فالوثيقة التي تبقى محصورة في لغة واحدة قد تظل بعيدة عن شريحة واسعة من الباحثين والقراء، بينما يسمح نقلها إلى العربية بتوسيع دائرة الاستفادة منها، وفتح المجال أمام أجيال جديدة للتعرف إلى تاريخ وطنها.

دور قيادي في الحركة الثقافية

في ثمانينيات القرن الماضي، تولى الدكتور الزبيري رئاسة اتحاد الكتاب الجزائريين، وبرز في هذه المرحلة كأحد المدافعين عن الثقافة والأدب والمثقفين .وقد عمل على توحيد الجهود بين مختلف الفاعلين في الحقل الثقافي، وساهم في دمج اتحاد الصحفيين والمترجمين ضمن إطار واحد، بما سمح بتعزيز التنسيق بين مختلف المشتغلين في مجالات الفكر والأدب والإعلام والترجمة.وخلال رئاسته للاتحاد، شهدت الساحة الثقافية تنظيم مهرجانات وملتقيات أدبية، من بينها مهرجان القصة في سعيدة، ومهرجان الشعر المرتبط بالشاعر محمد العيد آل خليفة. وكانت هذه النشاطات فرصة لدعم الأدباء والمبدعين، ولتعزيز حضور الثقافة الجزائرية داخل الوطن وخارجه.

وفي سنة 1991، أسس منتدى الفكر والثقافة بالعاصمة الجزائر، الذي تحول إلى منبر للنقاش والحوار الفكري والبحثي. كما عمل على تأسيس المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة نوفمبر، انطلاقًا من إيمانه بأن التاريخ يحتاج إلى مؤسسات تحفظ الوثائق وتشجع الباحثين وتدعم الدراسات الجادة.

الدفاع عن دقة النص التاريخي

من القضايا التي أولى لها الزبيري أهمية كبيرة مسألة الدقة في النصوص التاريخية. فقد اهتم بمراجعة بعض النصوص المركزية في تاريخ الثورة، ومن بينها بيان أول نوفمبر 1954، وسعى إلى إعادة النظر في ترجمته العربية وتصحيح ما اعتبره أخطاء أو عدم دقة في الصياغة المترجمة من الفرنسية.

ولم يكن هذا الأمر بالنسبة إليه مسألة لغوية بسيطة، لأن النصوص المؤسسة للتاريخ الوطني تحمل دلالات سياسية وفكرية عميقة. وأي خطأ في ترجمة مصطلح أو عبارة يمكن أن يؤدي إلى تغيير المعنى، ومن ثم إلى التأثير في فهم الأجيال اللاحقة للوثيقة.ولهذا حاول، من خلال اتصالاته ولقاءاته مع عدد من المسؤولين والفاعلين في قطاع المجاهدين، الدفع نحو اعتماد نصوص أكثر دقة ووضوحًا، إيمانًا منه بأن حماية الذاكرة تبدأ من حماية الوثيقة.

الأخلاق الوطنية والشخصية الإنسانية

لكن الحديث عن محمد العربي الزبيري لا يكتمل بالحديث عن المؤرخ والباحث والمثقف فقط، لأن شخصيته الإنسانية كانت جزءًا أساسيًا من صورته لدى أصدقائه ومعارفه.فقد عُرف عنه دفاعه عن المثقفين والكتاب، وحرصه على تحسين أوضاعهم الاجتماعية، ومساعدته للكفاءات الوطنية. وكان يسخر علاقاته واتصالاته مع كبار المسؤولين لخدمة القضايا الثقافية ودعم أصحاب المواهب، دون أن يجعل من ذلك وسيلة لتحقيق مكاسب شخصية.

كما عُرف باستقلاليته الفكرية وحرصه على النزاهة. فقد رفض، بحسب ما يرويه المقربون منه، بعض المناصبالقيادية في مجال السياسة التي كان يمكن أن تمنحه مكانة رسمية مرموقة، ومنها مناصب دبلوماسية، لأنه كان يرى أن المثقف ينبغي أن يحافظ على حريته واستقلاله ونزاهته.وهذه الخصلة تحديدًا تفسر جانبًا مهمًا من احترام الكثيرين له؛ إذ لم يكن ينظر إلى الثقافة بوصفها طريقًا إلى المناصب، بل بوصفها مسؤولية تجاه المجتمع والوطن.

شهادة صديق: ذاكرة اللقاءات والحوارات

عرفته شخصيًا في أواخر سبعينيات القرن الماضي، ضمن مجموعة من الأصدقاء المثقفين والمبدعين، وكان من بينهم الشاعر المرحوم عبدالعالي رزاقي. ولا أنسى ذلك الصيف من عام 1984، حين زرت اتحاد الكتاب الجزائريين، حيث التقيت بالمرحوم العربي الزبيري وسط مجموعة من الكتاب والمبدعين من أجيال مختلفة، من بينهم المرحوم الطاهر بن عيشة والأخضر السائحي.

كان المكان آنذاك فضاءً نابضًا بالحوار، وكانت النقاشات الثقافية والفكرية والإبداعية تتواصل بين الحاضرين. ولم تكن اللقاءات مجرد مناسبات اجتماعية، بل كانت أشبه بورشات مفتوحة لتبادل الأفكار والرؤى حول الأدب والتاريخ والثقافة ومستقبل الجزائر.ومع مرور الوقت، تعمقت علاقتي بالدكتور الزبيري، ووصلت إلى مرحلة أكثر قربًا من خلال المشاركة في اللقاء الثقافي الذي نظم حول شخصية أحمد باي بمدينة بسكرة، ذلك القائد التاريخي الجزائري الذي ظل رمزًا للمقاومة والنضال.

وفي ذلك اللقاء، قدمت ملفًا وثائقيًا مفصلًا عن أحمد باي، وقد أبدى الدكتور الزبيري إعجابه بهذا العمل، وهو ما ساهم في تعزيز التعاون والتواصل بيننا.

وفي الندوة الأولى، كلفني أحد الأصدقاء بالاتصال بالدكتور عبد المجيد التميمي، الذي كان له دور في مناقشة أول رسالة دكتوراه في جامعة السوربون بباريس حول أحمد باي. وكان المؤرخ والباحث التونسي الدكتور عبد الجليل التميمي يزورني كلما جاء إلى باريس، مما أتاح لنا فرصًا عديدة للتبادل الثقافي والمعرفي.وكان حضوره في اللقاء الأول حول أحمد باي إضافة نوعية، لما كان يمثله من خبرة واهتمام بتاريخ المغرب العربي. وقد وصل الاهتمام بهذا اللقاء إلى أن وزيرة الثقافة آنذاك، السيدة خليدة تومي، طلبت لقاءه، وتم الاتفاق معه على إعادة نشر كتابه.

ولا يفارقني نشاط الدكتور الزبيري وحضوره الحيوي في الندوتين الأولى والثانية. فقد كان حاضرًا ومشاركًا بفاعلية، وكانت مداخلاته تكشف عن معرفة واسعة وشغف حقيقي بالبحث العلمي والتاريخ الوطني.

وبعد تلك الفعاليات، أصبح كلما زار باريس يتصل بي، وتبدأ بيننا حوارات طويلة وغنية حول الإصدارات الجديدة التي تتناول الجزائر والعالم العربي. وكانت تلك اللقاءات بالنسبة إلى فرصة ثمينة للتعرف إلى عدد كبير من الباحثين والمثقفين العرب والأجانب، سواء المقيمين في باريس أو القادمين إليها في زيارات قصيرة.ومن خلال هذه التجربة الشخصية، أدركت أكثر فأكثر أن الدكتور الزبيري لم يكن مجرد مؤرخ يكتب الكتب، بل كان يتحرك في فضاء ثقافي واسع، ويعمل على بناء الجسور بين الباحثين والمثقفين والمؤسسات، ويؤمن بأن المعرفة لا ينبغي أن تبقى حبيسة الحدود الجغرافية.

الزبيري جسرًا ثقافيًا بين الجزائر والعالم

كان الدكتور محمد العربي الزبيري جسرًا ثقافيًا بين الجزائر والعالم العربي، بل وبين الجزائر والفضاء الثقافي الأوروبي أيضًا. وقد سمحت له تجربته في البحث والتدريس والترجمة والعمل الثقافي والسياسي بأن يكون حلقة وصل بين أجيال مختلفة من المؤرخين والمثقفين والباحثين.

وكان يحمل همّ المثقف الوطني الذي لا ينفصل عن قضايا مجتمعه، ولا يرى في المعرفة ترفًا فكريًا، بل يعتبرها وسيلة لبناء الإنسان والدفاع عن الذاكرة وتحصين المجتمع من التشويه والنسيان.ولعل أهم ما يميز إرثه أنه لم يحصر اهتمامه في الماضي من أجل الماضي، وإنما كان يعود إلى التاريخ بحثًا عن فهم أفضل للحاضر. فالثورة والمقاومة والحركة الوطنية بالنسبة إليه لم تكن مجرد صفحات في كتاب، بل تجارب يمكن من خلالها فهم تشكل الشخصية الجزائرية، وصراعها من أجل الاستقلال، ثم تحدياتها في مرحلة بناء الدولة.

التاريخ الوطني ومراجعة المصطلحات

كان الزبيري متأثرًا بأفكار عدد من المفكرين والمؤرخين الجزائريين، ومن بينهم محمد الشريف ساحلي، صاحب الكتاب المتميز "تحرير التاريخ"، ومولود قاسم نايت بلقاسم، خصوصًا في مجال التفكير في التاريخ الوطني ومراجعة المفاهيم التي استقرت في الكتابة التاريخية تحت تأثير المدرسة الاستعمارية.ومن هنا جاء اهتمامه بالمصطلحات وبضرورة إخضاعها للمراجعة. وكان من بين المصطلحات التي استعملها «الاستدمار» بدلًا من «الاستعمار»، و«الإنيّة» للدلالة على الهوية.

وكان يرى أن الكلمات ليست محايدة دائمًا، وأن المصطلح التاريخي قد يحمل في داخله رؤية كاملة إلى الحدث. ولذلك كان يدعو إلى مراجعة المفاهيم التي ورثها المؤرخون والباحثون عن الكتابة الاستعمارية، وإلى بناء مدرسة تاريخ وطنية تمتلك أدواتها المنهجية والعلمية. كما كان يؤكددائما أن هذه المهمة لا تعني التخلي عن المنهج العلمي أو الوقوع في كتابة تمجيدية للتاريخ، وإنما تعني تحرير البحث التاريخي من الأحكام الجاهزة ومن التصورات التي فرضتها المدرسة الاستعمارية.

وفي هذا السياق، كان يؤمن بضرورة وجود أكاديميين يمتلكون منهجية واضحة، ويؤمنون بقدرتهم على التغيير والإبداع، وقادرين على مواجهة التشويه والتحريف الذي يمكن أن يطال التاريخ والذاكرة.وهذه الرؤية تجعل مشروعه الفكري متجاوزًا لمجرد جمع الوثائق أو كتابة الكتب؛ فقد كان يسعى إلى بناء وعي تاريخي قادر على قراءة الماضي بعيون نقدية، وعلى التمييز بين التاريخ بوصفه علمًا، (كان يؤكد كثيرا بأن البحث التاريخي هو بحث علمي) والتاريخ بوصفه أداة للدعاية أو الهيمنة.

إرث لا ينتهي برحيل صاحبه

كان الزبيري مؤرخًا وباحثًا ومثقفًا وأديبًا، جمع في مسيرته بين التجربة النضالية المبكرة، والعمل السياسي، والبحث التاريخي، والتدريس الجامعي، والترجمة، والعمل الثقافي

توفي الدكتور محمد العربي الزبيري في 30 سبتمبر 2024، وشيعته الجزائر في جنازة رسمية تكريمًا لمسيرته الوطنية والثقافية .ومع رحيله، فقدت الجزائر واحدًا من مؤرخيها ومثقفيها الذين جمعوا بين التجربة الوطنية والعمل الأكاديمي والحضور الثقافي. لكنه ترك وراءه ما هو أبقى من الحضور الشخصي: ترك كتبًا ومقالات وترجمات، وترك تلاميذ وقراء وأصدقاء وباحثين عرفوا قيمته، وترك أسئلة حول التاريخ والهوية والثقافة ستظل مفتوحة أمام الأجيال.

إن قيمة الزبيري لا تكمن فقط في عدد الكتب التي ألّفها، ولا في المناصب التي شغلها، وإنما في الجمع بين المعرفة والموقف. فقد كان يرى أن المثقف الحقيقي لا يعيش منعزلًا عن قضايا مجتمعه، وأن المؤرخ لا يكتفي بتسجيل الأحداث، وإنما يتحمل مسؤولية أخلاقية في حماية الذاكرة من النسيان والتشويه.لقد كان مؤرخًا وطنيًا أصيلًا، ومثقفًا نبيلاً، جمع بين النضال السياسي والعمل العلمي، وأسهم في ترسيخ الكتابة التاريخية باللغة العربية، وقدم إنتاجًا واسعًا حول الثورة والمقاومة والحركة الوطنية والهوية الجزائرية.

وكان كذلك مدافعًا عن حرية الفكر، وداعمًا للمثقفين، ومؤمنًا بدور الثقافة في بناء المجتمع. ولهذا أصبح اسمه جزءًا من تاريخ الحركة الثقافية الجزائرية الحديثة.إن الوفاء الحقيقي للزبيري لا يكون بمجرد رثائه أو تعداد مناقبه، وإنما بالحفاظ على إنتاجه، وإعادة نشر أعماله، وتشجيع الباحثين على قراءتها ومناقشتها ونقدها، وفتح المجال أمام الأجيال الجديدة للتعرف إلى مشروعه الفكري.

فالكتب التي تركها ليست مجرد وثائق عن الماضي، وإنما يمكن أن تكون مادة للحوار حول حاضر الجزائر ومستقبلها. والأفكار التي دافع عنها بشأن استقلال المعرفة وضرورة مراجعة المصطلحات ورفض القراءة الاستعمارية للتاريخ تظل موضوعات قابلة للنقاش والتطوير، خصوصًا في زمن تتعدد فيه الروايات حول التاريخ وتتنافس فيه الذاكرات الوطنية.

لقد كان الدكتور محمد العربي الزبيري يؤمن بأن التاريخ مسؤولية، وأن المثقف ينبغي أن يكون في خدمة مجتمعه، وأن المعرفة لا قيمة لها إذا لم تسهم في بناء وعي الإنسان.

ومن هذه الزاوية، فإن رحيله لا يعني نهاية حضوره؛ لأن حضور المؤرخ الحقيقي يبدأ، في كثير من الأحيان، بعد رحيله، حين تتحول كتبه إلى مصادر، وأفكاره إلى أسئلة، ومواقفه إلى مادة للتأمل، وذكراه إلى جزء من الذاكرة الجماعية.

رحم الله صديقي وأخي الدكتور محمد العربي الزبيري، الذي واصل نضاله بالقلم والكتابة، وبالحضور في الملتقيات والمؤسسات الفكرية داخل الجزائر وخارجها. ورحم الله رجلًا جمع بين صرامة الباحث ودفء الصديق، وبين انشغاله بالتاريخ وإيمانه بالإنسان، وبين الوفاء للوطن والانفتاح على العالم.

لقد غاب الرجل، لكن سيرته بقيت، وغاب الصوت، لكن كتبه لا تزال تتحدث، وغاب صاحب الذاكرة، لكن الذاكرة التي دافع عنها ستظل بحاجة إلى أمثاله من المؤرخين والمثقفين الذين يؤمنون بأن الأمم التي تحفظ تاريخها وتحسن قراءته تستطيع أن تفهم حاضرها وتصنع مستقبلها.

وداعًا أيها الصديق العزيز، وداعًا أيها المؤرخ الوطني، وداعًا أيها المثقف النبيل .ستبقى في ذاكرة من عرفوك، وفي صفحات تاريخ الجزائر، وفي وجدان كل من آمن بأن القلم يمكن أن يكون امتدادًا للنضال، وأن الثقافة يمكن أن تكون فعلًا من أفعال الوفاء للوطن.رحمك الله رحمة واسعة، وأسكنك فسيح جناته، وجعل ما قدمته من علم وفكر وثقافة في ميزان حسناتك.

 

 

الطيب ولد العروسي

كاتب جزائري

 

المصدر:  العرب