
صورة مولدة بالذكاء الصناعي
حديث تاريخي في العمق
على غير ما هو مطروق سأحدثكم.الليلة حديث الرواحل عن مؤسس غير معروف بما فيه الكفاية، بل يكاد يكون مجهولا،
مؤسس لشعر الحسانية. ومن ميزاته أنه معروف باسمه، مقرون بأدبه حسب الرواية التي سأقدمها لكم هنا لأول مرة.
هو إذن، من جيل المؤسسين رغم شح المصادر عنه. وسأقاسمكم ما لدي من معلومات عنه، حصلت عليها بجهد جهيد ووقت مديد، قراء الصفحة الأفاضل، وذلك تعميما للفائدة و المساهمة في اكتشاف كنوز التراث الثقافي الحساني المغمور.
التعريف بالشخصية الأدبية:
هو شاعر يدعى محمد الملقب غرظُ، ولد بلغامَ، غامض الأخبار يجهله الكثيرون، ولذا أردت أن أجلي عنه بعض اللبس وأنصفه تاريخيا لأهمية تجربته في تاريخ الأدب الحساني بالغرب الصحراوي، مجال الحسانية:
هو رجل من أولاد ادليم ولد أحمد (اودي) ولد حسان. ربما تكون نسبته إلى أمه أو مرضعته كما درج عليه بنو حسان في ذلك العهد، كما يقولون: أولاد الزناگية، وأولاد العربية، وأولاد العالية وأولاد عيشة..
- التاريخ التقريبي لعصر غرظ: قرائن زمنية مفيدة:
يمكن أن نحدد التاريخ التقريبي لهذا الشاعر بعدة قرائن، من أهمها ثلاث:
القرينة الأولى: أن ابنته المسماة: الوجه الحسن، هي زوجة مانو ولد تنگلله، والد اعلى ولد مانو وأخيه أعمر الملقب الميداح، لكثرة أمداحه للنبي صلى الله عليه وسلم.
القرينة الثانية: في رواية عن الفنان الكبير المختار ولد الميداح عن أحمد ولد الديد، أن اعلي ولد مانو مدح اعلي شنظوره بطلعة في أول إمارته: (حوالي 1697م،) فأعطاه جواده. لكنه لم يرض به في نفسه، فذهب إلى محمد ولد هيبه المتوفى 1135هجرية ومدحه كثيرا وأقام معه ومن بعده مع أخيه أحمد، المتوفى 1175هجرية. ومعلوم أن محمد ولد هيبه ولد نغماش هذا هو خصم اعلي شنظوره التروزي ونظيره في إمارة البراكنه، حيث تحاربا بعد عودة اعلي شنظوره بالمحالة من المغرب..
اعلي شنظوره هو ابن هدي ولد أحمد بن دمان.
للتذكير: هنا:
توفي دامان أواخر 1630م. بعد معركة انتتام المتطاولة التي حضر منها ليلة هزيمة لكتيبات فيها أمام المغافرة بقيادة ابنه الأمير أحمد بن دامان، عند انتتام شرقي بحيرة الركيز حاليا.
و كان دامان حينها، محمولا على محفة أوجحفة وهو شيخ كبّار، كان قد طلب من أبنائه أن يقربوه من وطيس المعركة الليلية (تسمى ليلة انتتام) حتى يسمع صليل السيوف وصيحات الرجال، وأزيز السهام، وصرير الرماح.. كما حدثت بذلك السيدة العالية بنت سيدي ميله عن انضاته بنت محمد لحبيب عن أبيها محمد لحبيب (ت: 1860م).. .
توفي الأمير أحمد بن دامان سنة 1636م.
أما الأمير هدي فتوفي حوالي سنة 1696م على الأرجح،
وتوفي اعلي شنظوره سنة 1727م.
القرينة الثالثة: الأمير سيره ولد عبد الله و غرظُ:
مدح غرظ ولد بلغامه سيره ولد عبد الله البركني عم بكار ولد اعلي ولد عبد الله بنص سنورد نموذجا منه لاحقا وهو من بت الرسم. مروي عن المختار ولد الميداح وقد لحنته ابنته الفنانة المبدعة المعلومة بنت المختار تلحينا مشهورا وذائعا.
سيره ولد عبد الله هذا كان عما لبكار الملقب الغول ولد اعلي، الذي هو أحد زعماء شربب وولد اخناثه زوجة مولاي إسماعيل العلوي سلطان المغرب.
بمعنى أن سيرة من أمراء التصف الأول من القرن الحادي عشر الهجري، السابع عشر الميلادي وأواخر السادس عشر.
استنتاجات من القرائن:
بناء على المقاربات التاريخية أعلاه يكون غرظ ولد بلغامه من صدر القرن السابع عشر الميلادي بأدلة عديدة:
1- أن سبطه اعلي ولد مانو كان رجلا في العشرية الأخيرة من ق17 الميلادي بمعلوكة سنوردها.
ويترتب على ذلك أن يكون بينه وبين جده 70 سنة حسب نظرية الأجيال عند ابن خلدون (35 سنة لكل جيل).
بعني هذا أن غرظ ولد بلغامه توفي في عشرينيات أو ثلاثينيات القرن السابع عشر. وأن أمه توفيت في ستينياته على هذا التقدير . وأن اعلي نفسه مدح اعلي شنظوره بالطلعه التي ذكرها لي المختار ولم أعد أحفظها وهو في أواخر العشرينيات من عمره.
2- يصدق هذه القرينة المستنبطة من نظرية علمية تاريخية معتمدة، ومعلومات تاريخية موثوقة: أن نص غرظ ولد بلغام الذي سنقدمه كان من مطلع القرن السابع عشر الميلادي، الحادي عشر الهجري. وهذا يكسبه أهميتين:
- أنه يدل على نضح شعر الحسانية بشكل مؤكد في بدايات ق:17م. نتيجة جودة النص وإتقانه الفني العروضي
- هذا لا يعني أن النص غير مسبوق بنصوص أخرى من "أغنَ التلول"، لكن يعني أنه نص معروف القائل محدد الفترة. وهذا وجه أهميته الثانية.
غرظ وملابسات إبداعه:
روت لي الفنانة العبقرية المعلومة بنت الميداح عن والدها المختار الذي يعتبر كنزا بشريا واستفدت منه شخصيا في بحوثي عن مدرسة التيدنيت في الگبله وغير ذلك: أن غرظ ولد بلغامه الذي هو جده كان رجلا من أولاد ادليم، وكان لديه درع أحمر ثمين يلبسه في الحروب، وجاءته سيدة مغنية لديها طبل تلحن عليه مديحها لمن أعطاها وتشتم من لم يعطها. فأعجبها الدرع فطلبته منه فرفض أن يعطيه لها، فأنشأت فيه شعرا هجائيا وغنته.
أصابته حمى شديدة مدة ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع غشي مجلسها وقد تفتقت عبقريته فهجاها هجاء منكرا أخرجها به مدحورة مغلوبة.
وبعدها أصبح مبدعا في شعر الحسانية.
مقطع من نص دال (بت الرسم):
اركبْ بازْ البزانْ* رخْ شيهان* كهدْروج الغران* لعب رجيه... إلى آخره.
تعليق موجز:
*المفردات الصعبة:
١- الرخ: طائر أسطوري، غاية في القوة. يستطيع حمل الفيلة حسب الأساطير العربية القديمة.
٢- أهدروج هو الأدرج بالعربية: القنفذ، سريع الحفر بقائمتيه الأماميتين. أو هو اليربوع لدروجه في المشي قفزا.
٢- الشيهان: الشيهانة أنثى الشاهين بالعربية. وهي أسرع المخلوقات. على الأرض. ذكّرتها الحسانية كما ذكّرت اللبؤة : ب"اللب".
* استنتاج أخير.
يمكننا أن نعتبر غرظ ولد بلغامه الدليمي أبا تاريخيا معروفا لشعر الحسانية وإن كان لهذا الشعر آباء آخرون وربما أمهات آخريات فهم غير معروفين.
أما جيل الشعراء المبدعين الكبار من أمثال الرشيد المولاتي، و سدوم ولد انجرتو ، واعلي ولد مانو وأعمر أخوه ومحمد العيور ولد آغمتار، ودندني وسيد أحمد ولد آوليل.. وغيرهم من المؤسسين المعروفين فهم جيل لاحق تاريخيا، وإن كانوا قد أبدعوا ما لا يوصف في هذا الأدب الراقي الذي سمي معهم ب "لغْنَ". وأصبح أدب أمة تدعى البظان أو شعر قوم يدعون بني حسان مطلع القن 18م.
وهم الذين دفعوا بهذه الثقافة إلى خلق أدب يرقى إلى مصاف الآداب العالمية، مع أنه لم ينل بعد ما يستحقه من دراسات معمقة تبوئه مكانته المستحقة.
د. محمد ولد أحظانا









