النتيجة... / إبراهيم الأندلسي

ثلاثاء, 07/16/2019 - 20:58

النتيجة

واين ولتر داير :
هو مؤلف أمريكي و محاضر مشهور. ظهر له في عام 1976 كتاب بيع منه أكثر من 30 مليون نسخة وهو أحد أحسن الكتب التي عرفها التاريخ الأمريكي . 
الوفاة: 29 أغسطس 2015

من أقواله:
"إنك لو قطفت برتقالة وعصرتها فإن كل ما ستحصل عليه هو عصير برتقال وليس عصير تفاح.. "

قد لا تحمل هذه المقولة طرافة كبيرة، و لكن لو أعدنا النظر كرّةً أخرى فقد يكون شيء من ذلك واردا، فمصدر المقولة الولايات المتحدة حيث ظهر الكثير من عمليات تهجين الثمار و محاولة خلق ثمار جديدة، و في العالم اليوم قد تعصر البرتقال و يأتيك حامض آخر كالليمون و نحوه، و قد تظفر بعصير حلو المذاق ، و العصير نفسه لا يَعرف كيف نُسميه نحن، فليس مضطرا إلى حفظ مجلدات قواميسنا و لغاتنا الكثيرة و المتصارعة أفقيا و شاقوليا.

مقولات كثيرة تتحدث بكلام حصيلته أن نفس الطرق تؤدي إلى نفس النتائج دائما، فعلينا البناء على ما سبق بدل تضييع الوقت و الجُهد و المال في أشياء لا طائل من ورائها.

فهل المقصود بالمقولة استقلال الثمار و أشجارها عن بعضها رغم أن الأصل التربة و الماء؟
أم أن المقصود هو تمايز الأنواع و المصادر كلها عن بعضها و بذلك يكون خلطها نوعا في الضياع؟
أم أن المقصود عدم تفسير الواضح و المُنتَظَر فهو لا يحتاج تعقيدا كما يقول ألبيرت أينشتاين في مقولات الشهيرة و التي رأينا بعضها؟

كلمات الأجناس في المقولة هي للأمثلة العامة فقط كما يتضح من السياق العام، و يمكن إبدال التفاح بالبرتقال و تظل المقولة تُعطي نفس الفكرة و كذلك كل الثمار الأخرى، لأن النوع يحمل تركيبته الخاصة التي تميزه عن غيره، فلو كان شبيها به لما كانت هناك حاجة إلى تصنيفهما، و تحديث قاموس و مواصفات و فوائد.

السؤال الذي يفرض نفسه هو:
هل يستطيع أحدهما سدَّ دور الآخر و الحلول مكانه في الطبيعة و الهدف و المَذاق و الفوائد الصحية، و الأوراق و الشكل و الجذوع؟
و الجواب واضح و تلقائي بالنفي المُطلق و الدائم، و إذا كان هذا في ثمار قد تستمر الحياة دونها، فكيف بالعناصر الضرورية للحياة؛ سائلة أم غازية أو صلبة؟
و من هنا تظهر قيمة التنوع في الغطاء النباتي و المناخ و المعادن و حتى في عالم الأحياء الواسع، الذي نُشكل جزءا بسيطا من مَعلومه الضئيل، فكيف بمجهوله الذي يفوق الخيال و الوصف و التصور، و يستعصي على الإدراك حتى مع تطور التقنيات الحديثة ؟
قد تحمل مقولة الكاتب أيضا معنى آخر و هو مشهور في الثقافة العربية، و يتِم به الاستدلال في المنطق أحيانا، و هو أن فاقد الشيء لا يُعطيه، البرتقالة، لا تعطي عصير التفاح، و لا عصير العنب و لا غيره، فهي أصيلة في توجهها، و محافظة بطبيعتها على الصفات الوراثية و الشكل و الذوق.

إنكَ  حين تختبر الأناني، و الانتهازي و العنصري و الاستغلالي ، و صاحب السوابق، ستحصل على معدنه الحقيقي، و على خلاصة فكره التي تُناسبه، من حيث الفهم و التفكير و الهدف ، و حتى الأمثلة و المُبررات، التي تمّ استهلاكها سابقا، و كذلك المجموعة الأخرى في الجانب المقابل، فهي لا تزداد إلا تمسكا بمبادئها و دفاعا عن أفكارها و قيمها بكل ما تملك من قوة و مال.

كان ذلك عن الأفراد، فماذا عن المجموعات القبلية و العِرقية؟
و ماذا عن الأحزاب و المؤسسات و الشركات العابرة للقارات؟
و ماذا عن الدول و النُّظم الحاكمة في العالم القديم و الحديث، المتخلفة و التي تُعبر مثالا؟
و ماذا عن التكتلات بين الدول و التحالفات الواسعة؟

من الجميل أن يتِمّ عصرُ هذه التكتلات ، ليتبين للذين على وجوههم غشاوةٌ أن البرتقال سيكون برتقالا دائما، لكن هذا النوع من العصر يحتاج طاحونات عملاقة ، لا تملكها تلك التكتلات العملاقة ، و قد يُقال إن رائحة البرتُقال تكفي لمعرفة أنه حامض ، و أن الرائحة الهادئة و المسالمة للتفاح تجعله فريسة سهلة، فقشرته رقيقة و ناعمة، و لا تحتاج أن تُنزع، بخلاف غريمه الذي يستعصي على السكاكين، و حتى بعد القطاف يَمنع بطبيعته الآكلين من التلذُّذ.

كانت هذه الفقرة الأخيرة تُشبه الهجوم على البرتقال، لا لشيء إلا لطبيعته الأصلية، و كانت مدحا للتفاح دون استحقاق ذاتي لذلك، فهذه طبيعة لم يُشارك في تشكيلها و لا اختيارها أصلا، فما أكثر التفاح و البرتقال و الموز  في عالمنا اليوم، و في ثقافاتنا، و في سياساتنا ، التي أصبحت ساذجة، و ساذجة جدا، و لم يَعًُد خجلُ القرن الماضي موجودا، حتى في الخطابات المسجلة ، و المحاضر الموقعة من كبار المسؤولين و في دول ترفع شعار الحقوق و المَدنية.

و السؤال المهم:
أين يجد أولئك الذين لا يتفوقون إلا بالمولد في مكان مُعيَّنٍ ، أو لطائفة مُحدَّدةٍ أو عِرقٍ أو لون، أين يجدون علامات تفوقهم الحقيقية، و التي يُمكن أن تُوضع على طاولة نقاش، حتى للصغار و العَامّة؟