ابن زريق البغدادي في زيارة إلى (إرسيكا)​​​​​​​ / محمد الأمين السملالي

خميس, 05/16/2019 - 07:03

مقال في النقد اللغوي

 

فكرتُ في كتابة هذه السطور منذ أن أُعلنتْ نتائج مسابقة إرسيكا لفن الخط العربي.. ولكن حجزَني عن ذلك الخشيةُ من أن يساء فهمها؛ أو تتنزل في إطار الحملة الموجهة إلى هذه المؤسسة العريقة.
أما وقد رفعت الأقلام من موضوع النتائج، وطويت الصحائف.. فقد آن الوقت للنقد الإيجابي، الذي لا يقلل من قيمة هذه المؤسسة وجائزتها؛ ولكنه يقدم الملاحظات وينبه على النواقص؛ ليتم الاستدراك والإكمال.. سبيلاً إلى المزيد من نهضة هذا الفن الإسلامي العظيم.

إن انتشار الأخطاء اللغوية في الأعمال الخطية المعاصرة؛ قد أصبح ظاهرة مؤرقة ومزعجة، وهي تسجّل على أفراد؛ فما بالك إذا تجاوز الأمر إلى المؤسسات!!
وكيف نعتبر أننا نخدم لغة القرآن من خلال المحافظة على الخط العربي؛ ونحن نتساهل في التجاوز على قواعد اللغة وأبسط مقوماتها، التي لا ينبغي جهلها أو تجاهلها؟!

لقد وفّق القائمون على المسابقة في اختيار النص المقترح لفرع النسخ؛ متمثلا في عينية ابن زريق البغدادي، تلك القصيدة التي تقطر سلاسة وعذوبة، مع وضوح مفرداتها وسهولة تراكيبها.. وقد قال عنها ابن حزم: "يُقال: من تختّم بالعقيق، وقرأ لأبي عمرو، وتفقه للشافعي، وحفظ قصيدة ابن زريق.. فقد استكمل الظَّرف". ولكن ليتهم اعتمدوا على مصدر موثوق ليختاروا نسخة مصححة من القصيدة.. وكان بإمكانهم الرجوع إلى النص الذي نشره العلامة الأديب المحقق محمود الطناحي في (مجلة الشعر، ع: ١، يناير ١٩٧٦، القاهرة)؛ أو الرجوع أبعدَ من ذلك إلى المصادر القديمة؛ مثل طبقات السبكي أو خزانة الأدب أو غيرهما من المصادر المعتمدة.

ولكنهم في الواقع جاءوا بنص يعجّ بالأخطاء؛ التي لا يقبلها من له أدنى حظ من الإعراب والذوق السليم.. وهذا ما جعل أكثر الخطاطين المشاركين يقعون في الفخ؛ فيستنسخون تلك الأخطاء.. بل إن بعضهم أبى إلا أن يزيد عليها.. ولكن قلة منهم- مثل الأستاذ ياسر العشري- قد بذلوا مجهودا كبيرا في التخلص من تلك الأخطاء أو من أكثرها.

هنا سنتوقف عند بعض الكلمات؛ من باب التوضيح فقط لمن لا يملك القواعد.. وإن كان مجردُ وضع العلامة على أي من تلك الكلمات، كافياً ليدرك القارئ موضع الخطأ:

- تعذليه: الصواب ضم عين المضارعة أو كسرها؛ لأن الفعل من باب نصر وضرب، كما في لسان العرب وغيره. ولا وجه للفتح إطلاقا.
-العذل.. عذله: بإسكان الذال، وإلا لانكسر وزن البسيط.. مع جواز الفتح في غير هذا الموضع.
-فهو .. وهو: في الموضعين؛ الصواب إسكان الهاء، وإلا انكسر الوزن. وإسكان هاء (هو وهي) بعد الواو والفاء واللام لغةٌ فصيحةٌ مقروء بها في القراءات المتواترة.
- موجعه: الصواب فتح الجيم، بصيغة اسم المفعول، وأما بالكسر فيصير اسم فاعل ويختل المعنى.
- يزمعه: الصواب ضم حرف المضارعة وكسر الميم، لأن الفعل رباعي؛ أزمع يُزمع، مثل: أكرم يُكرم. وكان الأولى اعتماد النسخة الأكثر وهي: يُجمِعه، التي تؤدي المعنى نفسه، وتغني عن "الإيطاء" الذي هو أحد عيوب القافية.
- رزقهم: الصواب وصل ميم الجمع بالواو، سواء كتبت أم لا.. أما التسكين فيكسر الوزن.
- كلفوا: الصواب ضم الأول وكسر الثاني، على صيغة البناء للمجهول. مع أن أكثر النسخ: مُلِئوا حرصاً.
- والأرزاق: الصواب رفعها، لأنها مبتدأ، وخبرها الجملة الفعلية بعدها، والمبتدأ والخبر جملة اعتراضية في موقع الحال.
- بغي: الصواب إسكان الثاني، كما لا يخفى.. أما بالكسر فلها معنى آخر.
- الأزرار: الصواب خفضها، لأنها مضافٌ إليه ما قبله.
- صفو: الصواب رفعها، لأنها فاعل (يودعني).
- أودعه: الصواب ضم حرف المضارعة، وهو الهمزة.
- أكذب الله: الصواب كسر عين المضارعة (الذال)، ولا وجه للضم إطلاقاً.
- ثوب الصبر: الصواب رفع (ثوب)؛ لأنها مبتدأ وليست مفعولا.
- ذقت البين: الصواب فتح تاء الخطاب، لأن الكلام موجه للشاعر.
- ألا أقمت: الصواب ضم التاء، لأن الفعل للمتكلم وهو الشاعر يلوم نفسه.
معْقب: الصواب تنوين الكلمة لأنه لا سبب لمنعها من الصرف.
- تغل: فعل مجزوم بحرف الشرط، والصواب فيه فتح الأول وضم الثاني وإسكان الأخير.. من الفعل (غاله يغوله) بعنى أهلكه.
الأنسان: الصواب وضع الهمزة أسفل، وإن كان هذا الخطأ منتشرا في المخطوطات من قديم؛ فإنه يظل خطأً ويجب تصحيحه.

بقي أن نشير إلى مواضع التشكيل؛ فالبعض يتساهل فيها ويضعها في غير مواضعها؛ بحجة الضرورات الفنية، كما في بعض النماذج المبينة! ولكن هذا أيضا من الأخطاء المتوارثة التي لا يصح إقرارها، فالتشكيل إنما وضع ليزيل الإشكال لا ليزيده، ولا إشكال أكبر من وضع الشيء في غير موضعه.

وفي الختام، أعيد التذكير بأن الدافع إلى هذه الملاحظات إنما هو الحميّة للسان العربي وللخط العربي بعد ذلك.. وليس تقليلا من شأن أي مسابقة ولا أي إنجاز.

لكن صار من واجب هذه المؤسسة المحترمة أن تستعين بأهل الاختصاص في مختلف أعمالها، حتى لا تتكرر مثل هذه الأخطاء.

يرجى عدم الإساءة في التعليقات.

Ircica
#المسابقة_الدولية_الحادية_عشرة_لفن_الخط_العربي
#الخط_العربي
#مسابقة_إرسيكا