قراءة فى رواية "الحدقى" للكاتب والإعلامي أحمد فال ولد الدين

أحد, 01/28/2018 - 00:38
رواية الحدقي

محمد سالم ريوم

رواية "الحدَقى" هي عبارة عن سيرة ذاتية لشخصيتها المحورية أبي عثمان محمد بن بحر المشهور بالجاحظ، حاول الكاتب أن يغطى عبر صفحاتها 440, كل تفاصيل حياة هذه الشخصية العلمية والتاريخية من طفولته حتى ملازمته الفراش بعد سنوات من إصابته بمرض "الفالج".

خلال هذه الحقبة، حاول ولد الدين أن ينقل لنا صورة البصرة خلال ما يعتبره كثيرون العصر الذهبي للثقافة العربية والإسلامية عبر صراعات شخصيته المحورية، لكنه احتاج أن يكسر رتابة حياة مدينة البصرة التاريخية عبر مشاهد عصرية من مقاهي مدينة "الدوحة" وعبر شخصية محورية موازية للجاحظ لعبها بنفسه عبر"محمد القروي".

تبدأ الرواية من غرفة الأخبار فى قناة "العروبة" وبمشاهد مستوحاة من واقع غرف التحرير فى المحطات التلفزيونية، ورغم البداية القوية للرواية والموفقة فى اختيار الظرف الزمكاني، إلا أن ما أعجبني أكثر هو كيفية إقحام الكاتب لشخصيته المحورية وإدماجها فى أحداث الرواية، حينما جعل فريق عمله ورئيسه يكلفانه بكتابة وثائقي عن الجاحظ فكان أجمل دخول يمكن تصوره لمن بدأ رواية كهذه من غرفة أخبار قناة تلفزيونية معاصرة، لكننى كنت أود أن ينتهز هذه السانحة ليبقينا كقراء فى البصرة عبر الوثائقي على أن تكون نهاية الأحداث فى الحقبة القديمة نهاية للوثائقي ويعود به إلى رئيسه فى العمل ثم يختتمها كما بدأها من غرفة الأخبار بدل التنقل بين زمانين ومكانين لم يكن عادلا فى توزيع الأحداث بينهما ولا حتى توزيع الصفحات.

فبينما غطى سرده عن الجاحظ قرابة قرن من الزمن لم يحظى "محمد القروي" على الجانب الآخر سوى بثلاث سنوات من عمر الرواية.

بالعودة إلى العنوان، اختار الكاتب أن تكون الرواية عن الجاحظ فشق لها إسما من إسمه لكنه جعله مرادفا لغويا للقب الأشهر لشخصية أبي عثمان، فكان "الحدقى" هو العنوان الأمثل ليلعب هذا الدور كاملا.

الرواية متقنة على مستوى الحبكة الفنية و "setting"، وأظهر من خلالها الكاتب معرفة عميقة بالخلفيات التاريخية و الثقافية للشخصيات التى تناولتها الرواية، كما أظهر قدرة كبيرة على التحكم فى الأحداث وضبط إيقاعها رغم الفارق الزمني بين الحقبتين، فكان ينتقل بنا من "البصرة" إلى "الدوحة" ومن القرن الثاني للهجرة إلى القرن الخامس عشر بكل سلاسة وانسيابية، تماما كإنتقاله من شخصية الجاحظ إلى شخصية محمد القروي، ومن جارية الأول "علية" إلى معشوقة الثاني، "حصة".

نجح الكاتب فى الأسلوب وفى الربط والتوظيف اللغوي وكتب بلغة عباسية كلاسيكية تناسب الحقبة الزمنية التى تعالجها الرواية، وأثثها بما أمكن من مشاهد تتماشي مع تفاصيل الحياة اليومية للبصرة بشكل عام وللجاحظ بشكل خاص.
وكان حاسما حينما ينتقل إلى الخط الموازي من أحداث الرواية حيث تتغيرة النبرة وتميل اللغة إلى البساطة والعصرنة، مع إحتفاظها بالأسلوب التشبيهي ذى الطابع الوصفى، فالرواية بشكل عام طغت عليها صبغة describtive الوصفية الرائعة فقد جعلنا الكاتب من خلالها، نتجول فى شوارع وأزقة "البصرة" صباحا ونشرب كأس القهوة مساءا على كورنيش "الدوحة.

أما عن "الحوار" فقد نالت الحوارات النصيب الأكبر من الرواية وكاد الإسراف فيها أن يهدد نسق التشويق السردي للأحداث، خاصة حين فضّل الكاتب أن تكون معظم الحوارات ثنائية بين شخصيات الرواية بدل نقلها عنهم عبر third person narration 
وهى الصغة الروائية التى كانت ستسمح له بمساحة حرية أكثر تجاها ما يقوله المتحاورون بفعل التحرر من شخصيات الشخوص.

على مستوى شخوص الرواية، نجح الكاتب فى تجسيد معظم الشخصيات التى تناولتها الرواية وبدت مقنعة فى الأدوار التى لعبتها، خاصة على الجانب التاريخي، بينما بدت بعض شخوص حاضرها مرتبكة وغير متناسقة تماما مع ما أسند إليها من أدوار، ونتيجة لذلك ظهر الجاحظ أكثر حضورا وتميزا فى دوره البطولي، من "القروي" فى الجزء الموازي من الأحداث، وكان حضور "تماضر" ومن بعدها "عريب" أو "علية"- كما كان يناديها أبى عثمان- طاغيا ومؤثرا عكس حضور السعودية "حصة" أو "مطوعة بريدة" كما يحب أن ينادها القروي.

بخصوص ال "conflict", فقد كانت هناك صراعات متعددة ومتباينة حد اختلافها وتباينها، فحضر صراع المال والسلطة من جهة وصراع إثبات النفس والكفاءة من جهة أخرى وبين هذا وذاك برزت صراعات عقائدية لعب فيها "الجاحظ" دوره كأحد أساطين المعتزلة وسمح له الكاتب بالانتصار فى معظم منازلاته مع خصومه "المحدثين"، وفضّل له الصمت أمام أكبر أئمة عصره أحمد بن حنبل ربما بفعل تحيز الكاتب لشخصيته البطولية مخافة ضحد حجتها وإظهارها مهزومة.

ولعل ما يحسب للكاتب أنه نجح فى أن يجسد الجاحظ بكل جوانبه دون أن يدخل فى متاهات "علم الكلام" تماما كنجاحه فى الحديث عن كل رموز عصره، حيث حضروا جميعا دون تزاحم ودون أن يستطيع أحد منهم خطف الأضواء عن شخصية الجاحظ المحورية، حضر الخلفاء كالمهدي والرشيد والمأمون والمعتصم وحضر العلماء:ابن حنبل والخليل بن أحمد وابن المدني والنظام وغيرهم وحضر الشعراء ابو نواس وبشار ابن برد والبحتري.
حضر الجميع لكي يبعث الكاتب الروح فى نفوس هذه الشخصيات التاريخية والثقافية ويبعثها فى وجداننا المعاصر لكنه بالمقابل تحكم فيها بحيث كان حضورها عبر شخصيته المحورية ومن هنا تحكم فى الإيقاع ونجح فى التقمص وفى السرد وفى توجيه الرواية.

مما لم يعجبنى فى الرواية، قرب إسقاط حاضرها أو جانبها المعاصر من الحياة الواقعية للكاتب، وما شهدته من ضعف مع قرب النهايات منذ دخول الكاتب مرحلة "falling action".
ظهر ذلك جليا سواء على المستوى التاريخي أو حاضر الأحداث، فبالنسبة لي كانت عودة الجارية "علية" من بلادها إلى البصرة من أجل رؤية الجاحظ أقرب إلى نهايات الأفلام الهندية منها إلى نهاية رواية كلاسيكية ذات طابع تاريخي، أما على مستوى "القروي"، فلم تخلو النهاية من تعسف سردي أوقع الكاتب ربما فى تناقض إسلوبي على الأقل على مستوى القيم، فقد أسهب الكاتب فى تصوير "القروي"على أنه بدويا متمسكا بكلاسيكيته ومعتزا بقيمه البدوية، لكنه نسي ذلك حين جعله يشتم شيخا خليجا فى بيته بعد رفضه له عريسا لإبنته ، وهذا منافٍ تماما لقيم البداوة و لا يناسب كلاسيكية الرد فى مثل هذه المواقف.

على مستوي "symbolism" فى الرواية، لا شك أن الكاتب تلاعب ببعض الإيحاءات سنذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، اختياره للشخصية التى جسدته فى أحداث الرواية "محمد القروي"، وحتى إختياره لهذا الوصف "القروي، التى قد تبدو للكثيرين أنه أراد من خلالها التعبير عن بعده الصحراوي البدوي وأنها قد تكون مشتقة من "القرية" أو "القرى"، لكنها قد ترمز لأبعد من ذلك إلى مسقط رأس الكاتب مدينة "گرو" التى عندما نعرّبها (قرو) ونضيف إليها الكاتب سنحصل على " القروي"، ما يعنى أن المدقق اللغوي "محمد القروي" هو نسبة إلى مدينته "ڨرو".

من الرموز التى تناولتها الرواية أيضا، "قناة العروبة"، فى الرواية، والتى ترمز ل"قناة الجزيرة" فى الواقع.

سمح هذا الترميز للكاتب بالحديث عنها من الداخل وعن نظام اللوبيات المتحكم فيها بكل تجرّد، فتحدث عنها بتفاصيل النقد والإشادة، مؤكدا أنها " استطاعت أن توحد إهتمامات المواطن العربي"، لكنه فى المقابل لم يغفل الجانب السلبي فكانت صورة المدقق اللغوي صاحب الكفاءة وهو يغادر عمله، بسبب اتصال هاتفى من شخص آخر إثر خلاف شخصي لا يمت بصلة للواجب المهني، أكبر دليل على تحكم المحسوبية ونظام اللوبيات فى مسار القناة.

واختتم الكاتب رؤيته لمؤسسته بالتشاؤم حول مستقبلها، حين انتهى بها المطاف وهي تبث نشراتها بلغات شعبية ما يعني أنها فقدت نخبويتها وباتت "عامية" بفعل ابعاد الكفاءات على حساب اللوبيات، وربما أبعد من ذلك قد تكون الصورة دلالة على تقليص دورها ك"موحدة لإهتمام المواطن العربي" واستخدامها بدل ذلك وسيلة فى صراع البيت الخليجي على حساب القضايا الكبرى للأمة.

وفى الأخير، لا شك أن رواية "الحدقى" عمل أدبي رائع نفض الغبار عن جزء من تاريخ هذه الأمة وأعاد إلى اللغة العربية بعض ألقها، وأحضر عصر النهضة الأدبية فى وجدان الأجيال المعاصرة عبر هذا السرد الروائي الرائع، فالعمل بحق إضافة نوعية للمكتبة العربية ومجهود يذكر فيشكر لكاتبه و كتاب يشار به على الباحثين عن متعة السرد وأناقة الأسلوب من قراء الروايات.

 

محمد سالم ريوم