المختار السالم: في رمضان أقرأ الشعر أكثر مما أكتبه (حوار وكالة أنباء الشعر)

خميس, 08/17/2017 - 10:09

في حضرة رمضان، نعيش أجواء مختلفة، يأخذنا بروحانياته بعيدا عن واقعنا، ونعيش في لحظاته وساعاته حالات تجعلنا نقف ونتأمل في كثير من الأمور، هو رمضان الخير والبركة، هو رمضان الشهر الفضيل الذي يختلف فيه كل شيء وهنيئا لمن يحس بهذا الاختلاف.. رمضان أطل وسنكون وإياكم على موعد مع كوكبة من نجوم الشعر في مادة بعنوان "وجه لوجه مع رمضان" ومن ضيوفنا في هذا الشهر الشاعر الموريتاني المختار سالم الذي يحدثنا عن رمضان فيقول:

ماذا يعني لك رمضان؟ وماذا تحمل الذاكرة من أجواء رمضان والاستعداد له؟ في أي سنّ كانت أول تجربة صيام؟

رمضان يعني لي شعيرة مقدسة... شهر نلامس فيه حدود كثيرة لإنسانيتها.. شهر فيه يزدهر الإيمان، ويشعر المرء أنه في دورة فلكية سامية للحب والتسامح وفعل الخير.

أما ما تحمل ذاكرتي عن أجواء رمضان فهو مختلف إلى حد كبير... ففي الطفولة كنا نسكن الصحراء القاحلة في عز موسم الجفاف، خيام بدوية متنقلة بين الرمال في عز موسم الرمضاء... وكان رمضان بالنسبة لنا نحن الصغار وقتها شهر مليء بالتناقض الإنساني، من جهة نشعر بمعاناة الكبار الصائمين في عز أيام الحر الجهنمي. حيث تكون آخر تغريدة للطيور عند الفجر الباكر، وحيث لا يمكن للريش أن يعلو على حي بسبب قساوة المناخ الحار.. فكنت طفلا أتألم لحال الصائمين العطاش الجامعين.. كانوا مع المساء يتحول إلى جلود يابسة تكاد تخرج من الحياة.. ومن جهة أخرى كنا نشعر كأطفال بفرح ما سنحصل عليه من فطور أو بقايا فطور الكبار.

أما في المدينة فكان شهر الأكل والنوم ومشاهدة الأفلام والمطالعة، وجماعات أوراق اللعب، والسهرات الباذخة نسبيا.

كانت أول تجربة لي مع الصوم عام 1984. قررت أن أصوم قبل البلوغ.. وكانت تجربة قاسية حقا. فقد عانيت من العطش الرهيب.. ومن طرائف ذلك أني كنت أجمع أخوتي الصغار عند القيلولة وأعمل لهم شرابا كثيرا وأحاول أن أسقيهم كل ذلك الشراب، فكانوا يشربون إلى حد معين، ثم يمسكون، فأصرخ فيهم اشربوا قتلكم العطش.. وذات يوم دخلت علي جارة وأنا أقول (هؤلاء الأطفال سيقتلهم العطش)، وكنت قد وضعت صطلا مليئا ب"الزريق". فضحكت الجارة، وقالت لي "مختار أنت هو العطشان، وليس الأطفال".. فانتبهت إلى الأمر.

الصيام الأول هل كان يوماً كاملاً؟ وكيف كان إفطاره؟

نعم الصيام الأول كان يوما كاملا.. كان كارثيا بكل معنى الكلمة.. وحين أفطرت نمت مباشرة من شدة المعاناة.. كان الإفطار حفنة تمر وحساء وشراب "الزريق" والشاي والتدخين.. استغرق ربع ساعة ونمت حتى منتصف الليل. في اليوم الثاني كنت أتوضأ لصلاة الظهر ولم أنتبه إلا وقد ارتويت من آلة الوضوء.. لكني كتمت الأمر عن الأهل والجيران.

هل كنت أثناء الطفولة تتظاهر بالصيام وأنت غير صائم؟ وهل اكتشف أحد من الأهل أمرك؟

طبعا. حدث ذلك. وكنت أشعر بخيبة الأمل والخجل... لكن ما كان ذلك ينقص من حصتي من الفطور. وهذا شيء رائع من ناحية أخرى.

أذكر أنني بالغت مرة في مسح شفاهي حتى تيبس وتشبه شفاه الصائمين. وكانت لي قريبة ظريفة فطنت للأمر. فقالت لي "المختار هل تعيرني لون شفاهك".. لم أفهم المغزي إلا حين نظرت في المرآة.

أنت شاعر هل تجود قريحتك في رمضان؟ إلى أي مدى يدخل العمل الإنساني في نفس الشاعر وكيف يتجسد ذلك هل بالقصائد أم بالفعل والعمل؟

رمضان شهر فقير شعريا.. تصفد فيه الشياطين وقرائح الشعراء.. ولذلك قل ما يكون شهر قصائد. وأذكر أنني العام الماضي كتبت رواية في رمضان. وعنوانها "مهاجر غير شرعي". كنت أبدأ الكتابة قبل الإفطار بساعتين أو ثلاث. وأعود بعد الإفطار.

أما العمل الإنساني فهو شيء واجب كل وقت.. ورمضان من دواعي مضاعفة هذا العمل. أنا أحاول أن يكون عملا خيريا صدقات وإحسان على قدر الحال طبعا.

يبقى القول إن رمضان أفضل موسم عند الزوجات.. لأنه لا خيانة في رمضان، بل إنهن يتلقين من المديح ما تنوء به الأسرِّة والطاولات.. ثناء على ما يقمن من تفنن في إعداد لذيذ الطعام والشراب، فضلا عن ما تستحقه الزوجة كأنثى من "غزل حلال" وقتيا.. وبالمناسبة كل الغزل حلال.

أيّهما أقرب إلى روحك رمضان الذاكرة أم الوقت الحاضر؟ ولماذا؟

رمضان الماضي، إن الماضي عموما شيء لا يفقد بريقه في النفس الشاعرة.. الحاضر هو بريق الماضي. أما ذلك الحاضر السياسي الكارثي فهو شيء لا يترك للمرء فرصة للشعور بأي سعادة... وأي سعادة وأمتنا يمزقها أبنؤنا، فلذات أكبادنا هم من يمزقون أوطانهم وحضارتهم وقيمهم. صدقني لقد سالت دموعي حين رأيت أقباط مصر مستهدفين... وبكيت لأني تذكرت اللحظة التي دخلها عمر بن العاص (رضي الله عنه) فاتحا فكان الأقباط في عز المعزة.. واللحظة التي يستهدف فيها الأقباط بروح الداعشية الشريرة.

كنا نستمتع بما يقوله المسحراتي ونحن صغار .. ماذا كان يشدك في المسحراتي أو من طقوس رمضان ؟

طقوس كثيرة تشدني في رمضان محليا.. أهمها المديح النبوي الشريف، جلسات المديح النبوي بما فيها من غنائية وطربية صوفية غريبة. المسحراتي هنا مزعج، فهم مجموعة من الأطفال المراهقين يضربون العلب الفارغة ببعضها بعضا فتحدث أصواتا نشازا. وفائدتهم الوحيدة إيقاظ بعض النائمين. مع الهواتف صارت أفضل مسحراتي على قدر ما تريد، والذوق الذي ترغب.

هل تقوم بدور أساسي في تعليم أطفال العائلة على الصوم؟ وكيف؟

نعم أدرسهم أحكام الصوم. ومن صام منهم تطوعا أحرص على أن يكون سحوره جيد وأن لا يخرج في الجو الحار.

ما هو الطبق المفضل لديك على الإفطار؟

الحساء والشوربة المغربية... والشاي.. ثم وجبة العشاء باللحم.

شخص تفتقد حضوره في رمضان الحالي؟

بعض الأصدقاء الذين سافروا إلى أماكن أخرى.

ماذا تقرأ في رمضان؟

كل ما تيسر.. والبداية دائما بالقرآن الكريم.. ومراجعة مواقف للرسول صلى الله عليه وسلم ومحاولة استنباط أشياء أخرى منها.. إن السيرة النبوية ملهمة بشكل يفوق كل تصور. ولقد فهمت ذلك حين قرأت حوالي ثمانية آلاف حديث عام 2001.. وأنا أعتقد أن سبب خلافات المسلمين اليوم، وربما في كل العصور، هو "القراءة المجتزأة للسيرة، أو قراءة الزاوية الواحدة".

كيف يكون نشاطك الشعري في رمضان؟

في رمضان أقرأ الشعر أكثر مما أكتبه. وأكتب النثر.

دعاء نختتم به هذا الحديث.

اللهم صل وسلم على سيدنا وحبيبنا محمد. اللهم إني أسألك اللطف بي وبأمتي. اللهم أقر عين محمد في نفسه وذريته وفي أمته. اللهم رحمتك بخلق أجمعين.

 

المصدر: وكالة أنباء الشعر